لبنان ينتخب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية: انعطافة سياسية جديدة أم استمرار للمعادلة القائمة؟

كاتبة وباحثة سياسية / محررة اخبار
بعد أشهر من الشغور الرئاسي والتوتر السياسي، انتُخب اليوم قائد الجيش اللبناني، العماد جوزاف عون، رئيسًا للجمهورية اللبنانية، في خطوة تمثل محطة مفصلية في تاريخ البلاد. جاء هذا الانتخاب في أعقاب توافق داخلي وإقليمي، وسط تساؤلات حول مستقبل لبنان في ظل قيادة عون، ومدى انعكاس هذه الخطوة على استقرار البلد الذي يعاني من أزمات اقتصادية وأمنية خانقة.
الثنائي الشيعي يؤكد حضوره السياسي
انتخاب العماد جوزاف عون لم يكن مجرد خطوة رئاسية تقليدية، بل شكل تأكيدًا جديدًا على ثقل الثنائي الشيعي المتمثل بحزب الله وحركة أمل في المعادلة السياسية اللبنانية. فرغم الضغوط الداخلية والخارجية، أثبت الثنائي الشيعي، أنه لا يزال لاعبًا أساسيًا في الساحة السياسية اللبنانية. دعم الثنائي وصول جوزاف عون جاء بعد مشاورات مطولة وضغوط سياسية متبادلة، مما يعكس قدرتهما على التأثير في المعادلة السياسية والحفاظ على تماسك حلفائهما.
انتخاب عون، الذي يتمتع بعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، يُظهر أن الثنائي الشيعي يدرك أهمية تقديم شخصية توافقية تضمن الحفاظ على الاستقرار الداخلي مع عدم المساس بمصالحه الاستراتيجية. هذه الخطوة ليست فقط تأكيدًا لقوة الثنائي، بل أيضًا تذكير بأن أي تسوية سياسية في لبنان لا تزال تمر من خلال بوابتهم.
حقبة جديدة أم استمرار للأزمات؟
مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية، يحدو الأمل الكثير من اللبنانيين أن تكون هذه الخطوة بدايةً لحقبة جديدة من الاستقرار السياسي والاقتصادي. يتمتع جوزيف عون بسمعة مهنية قوية وقدرة على إدارة التوازنات الحساسة، خاصة بعد أدائه في قيادة الجيش خلال سنوات مليئة بالتحديات الأمنية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن التحديات التي تواجه لبنان لا تقتصر على الجانب السياسي فقط. البلاد ترزح تحت وطأة أزمة اقتصادية غير مسبوقة، ومستويات عالية من الفقر والبطالة، اضافة الى حرب ضارية عصفت به اخذت الحجر والبشر. لذلك، فإن قدرة الرئيس الجديد على تحقيق الاستقرار ستعتمد بشكل كبير على تشكيل حكومة قادرة على تنفيذ إصلاحات حقيقية، والعمل على استعادة ثقة المجتمع الدولي والمحلي.
الثنائية بين التحديات الأمنية والاستحقاقات الاقتصادية
باعتباره قائداً سابقاً للجيش، يمتلك جوزاف عون خبرة واسعة في إدارة التحديات الأمنية، وهو ما يمنحه ميزة في التعامل مع الملفات الحساسة، خاصة في ظل الهشاشة الأمنية التي تشهدها البلاد. ومع ذلك، فإن الخبرة العسكرية وحدها لا تكفي لمعالجة الأزمات المتشابكة، مما يضع أمامه تحدي بناء فريق سياسي واقتصادي قادر على تحقيق إنجازات ملموسة للمواطن اللبناني الذي يعاني من أزمة معيشية خانقة.
بينما يأمل كثيرون أن يكون انتخاب جوزاف عون بداية لمرحلة استقرار سياسي واقتصادي، هناك من يرى أن الأزمة اللبنانية أعمق من أن تُحلّ عبر استحقاق رئاسي واحد. فالنظام السياسي الطائفي، والانقسامات الداخلية، والمصالح المتضاربة للقوى الدولية الفاعلة في لبنان، جميعها عوامل تجعل من مهمة الرئيس الجديد معقدة للغاية.
الأيام القادمة ستُظهر إن كان هذا الانتخاب خطوة نحو إصلاح شامل يعيد للبنان مكانته واستقراره، أم مجرد تسوية سياسية مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف. وفي كل الأحوال، فإن نجاح هذه المرحلة يتوقف على مدى قدرة الأطراف اللبنانية على تجاوز خلافاتها والعمل بشكل جماعي من أجل إنقاذ البلد الذي يقف على حافة الهاوية.
