الشيعة اللبنانيون في مواجهة أزمات غير مسبوقة

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
يواجه الشيعة اللبنانيون أوضاعًا صعبة واستثنائية لا تشبه سابقاتها منذ أكثر من 40 عامًا. فقد تعرضوا خلال عام واحد لضربات قاسية واستراتيجية على مستوى البنية الديموغرافية والعسكرية. تزامن ذلك مع ضربة استراتيجية أشد قساوة من حرب الستين يومًا، تمثّلت في سقوط سوريا وانتقالها من موقف الداعم والحاضن للمقاومة إلى موقف الخصومة والحصار. أدى ذلك إلى اختلال موازين القوى، وانعدام العمق الجغرافي للمقاومة، وقطع طرق الإمداد العسكري والاقتصادي، وحتى الحدّ من إمكانية زيارة المقامات المقدسة مثل السيدة زينب (ع) أو العتبات المقدسة في العراق برًّا.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أزمات استراتيجية تواجه الشيعة اللبنانيين
باعتبار الشيعة طائفة المقاومة، أو ما تبقى من المقاومين، فإنهم يواجهون ثلاث قضايا استراتيجية مفصلية لرسم مستقبلهم السياسي والاجتماعي والعسكري:
1. أزمة القيادة الشيعية
يواجه الشيعة أزمة عميقة على مستوى القيادة. فعلى الرغم من عصرهم الذهبي الذي شهد قادة بارزين مثل الإمام موسى الصدر، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيد محمد حسين فضل الله، والرئيس نبيه بري، والسيد حسن نصر الله، فإن الساحة اليوم تعاني من غياب قيادات بديلة.
- بعد اختفاء الإمام الصدر ووفاة الشيخ شمس الدين والسيد فضل الله، استمرت القيادة الثنائية المتناغمة بين الرئيس بري والسيد نصر الله.
- مع اغتيال قادة بارزين واستمرار الضغوطات، باتت القيادة متركزة بشكل شبه منفرد، ما يثير تساؤلات حول قدرة الجيل الثاني والثالث من القيادات على تحمل المسؤولية مستقبلاً.
2. أزمة حفظ السلاح المقاوم
بعد “طوفان الأقصى” وبدء مشروع تغيير معالم الشرق الأوسط، بات مشروع نزع سلاح المقاومة إقليميًا أكثر وضوحًا.
- يواجه الشيعة خيارات صعبة بين التمسك بالسلاح ومواجهة الهجوم العالمي والحصار، أو تسليمه والعودة إلى حالة الاستباحة الإسرائيلية كما كان الحال قبل عام 1982.
- اتفاقيات وقف النار، مثل “اتفاق تشرين”، تشير إلى توجه لإعادة تشكيل المنطقة على حساب المقاومة.
3. أزمة الشراكة في السلطة
مع الخطوات الأولى لإعادة بناء نظام الحكم والمؤسسات الدستورية في لبنان، يبدو أن النوايا الإقليمية والدولية تتجه نحو تقليص دور الشيعة في الشراكة السياسية.
- تعود الأجواء إلى ما يشبه فترة ما قبل انتفاضة شباط 1984، ما ينذر بإمكانية انكفاء جديد للطائفة.
- إعادة هيكلة النظام دون شراكة حقيقية قد تؤدي إلى إحباط واسع النطاق داخل المجتمع الشيعي.
كيف يمكن مواجهة هذه الأزمات؟
تستلزم هذه التحديات الكبرى نقاشًا هادئًا وعقلانيًا بعيدًا عن المكابرة أو الانفعال. يجب اتباع الخطوات التالية:
- إبعاد الفاسدين وإعطاء الفرصة لأصحاب الكفاءة والخبرة.
- تجنب الانزلاق إلى العنف أو النزول إلى الشارع، إذ إن الظروف الحالية ليست في صالح أي تصعيد.
- التحاور مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، مثل السعودية وأميركا، لمعالجة أزمتي السلاح والشراكة.
- تعزيز الحوار الداخلي الشيعي، لتهيئة قيادة جديدة قادرة على التعامل مع التحديات المستقبلية.
الإدارة السياسية… بين الداخل والخارج
لم تعد الإدارة السياسية للبنان بيد القوى المحلية، بل أصبحت تتحكم بها قوى خارجية.
- السعودية تلعب دورًا مباشرًا، فيما تتولى أميركا القيادة الحقيقية للمشهد.
- من الضروري الاعتراف بهذا الواقع، والعمل على إيجاد حلول تحفظ الثوابت والمبادئ، مع تفادي اليأس أو الاستسلام.
دعوة إلى المسؤولين والنخب
على المسؤولين والنخب الشيعية مغادرة لغة التهديد والوعيد التي تزيد من آلام الناس، خصوصًا أن كثيرًا من الشيعة لم يتمكنوا بعد من إعادة إعمار بيوتهم أو العودة إلى قراهم.
- إدارة الأزمة بحكمة ووعي، مع التأكيد على الثوابت وعدم التنازل عنها.
- الاستعداد لتحمل المسؤولية، في ظل الظروف الإقليمية المعقدة التي تحيط بالطائفة من كل جانب.
