تشكيل الحكومة بين الطلبات والمطبات

بعد انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية ارتفع منسوب الأمل عند اللبنانيين بغد أفضل، ويتمنى اللبنانيون من العهد معالجة الأمور كلها دفعة واحدة، وهو مطلب حق، ولا يُلام اللبنانيين عليه، لكنهم يُحملون العهد فوق طاقته، فالعهد لا يملك عصاً سحرية، ولا خاتم سليمان، يٌضاف إلى ذلك التركيبة السياسية والطائفية في لبنان المتداخلة والمتشابكة والمشتبكة، ما قد ينعكس سلباً على ما يطمح إليه العهد ويراهن عليه اللبنانيون ويأملونه.
ومع تكليف السيد نواف سلام بتشكيل الحكومة بدأت أولى المطبات أمام انطلاقة العهد، حيث تتصرف معظم الكتل النيابية ــ خاصة التي سمت الرئيس سلام ــ كأنها وصية عليه، وبالتالي يجب عليه ليس مشاورتها فحسب ولكن الانصياع لرغابتها أو بالأحرى لأوامرها، ويُعتبر رئيس حزب القوات اللبنانية الأبرز في هذا المجال، إذ لا يكتفي بفرض شروطه على الرئيس المكلف، انما يُحدد له من يحق له التوزير من عدمه.
طبعاً يحق لكل كتلة أن تحدد مطالبها وتتمسك بها، وتكافح من أجل تحقيقها، ولا يختلف ذلك بين كتلة وأخرى، سواء كانت كتلتي الثناء الوطني أو كتلة القوات أو التيار أو الاعتدال أو غيرهم، لكن الفارق في موقف الكتل الأخرى عن موقف كتلتي الثنائي، أن الأولى تتماهى مع توجهات خارجية وتحديداً أميركية في المطالبة بعدم توزير الثنائي في حكومة العهد الأولى، كما نشرت رويرتز أو ما صرح به مستشار الرئيس ترامب للشرق الأوسط مسعد بولس، وضجت به وسائل الاعلام اللبنانية التي تدور في نفس الفلك.
للآن لا يبدو أن فخامة الرئيس والرئيس المكلف بوارد الرضوح لهذ الضغوطات، وما يرشح عنهما أنهما مصران على تمثيل الثنائي في الحكومة، لكن يخرج بعض الأحيان مواقف منسوبة للرئيس المكلف توحي بعدم الالتزام بما تم التوافق عليه مع الثنائي الوطني، سواءً في رفض تسمية الثنائي للوزراء، أوفي فرض أسماء لتولي حقائب الثنائي.
ولنفترض جدلاً، أن الضغوطات الخارجية أدت إلى رضوخ الرئيس المكلف إلى استبعاد الثنائي عن الحكومة، رفضاً مطلقاً لتوزير الثنائي ، أو إحراجه فإخراجه، فالنتيجة ستكون سبباً ليس في تعسر إنطلاقة العهد كما يأمل فخامة الرئيس ومعظم اللبنانيين فحسب، بل ستنعكس على لبنان بشكل عام.
فماذا لو قرر الثنائي التحول إلى المعارضة، وممارسة حقه بالتعبير عن هذه المعارضة بالوسائل الديمقراطية التي كفلها الدستور، ومن هذه الوسائل التظاهر، والاضراب، والاعتصام، وقطع الطرقات، كما فعلت ما سمي بثورة الأرز، والسؤال هنا هل يستطيع أي من المعارضة السابقة ـ الموالاة حالياً ــ إدانة ممارسة قاموا بها هم أنفسهم، وهل سيطلبون من القوى الأمنية التصدي بالقوة لهذه الممارسة، علماً أن فخامة الرئيس رفض حين كان قائداً للجيش طلب رئيس الجمهورية السابق ميشال عون والوزير جبران باسيل استخدام الجيش في وجه المتظاهرين.
يستطيع الثنائي ممارسة المعارضة دونما حرج، فهو بالأساس لم يسمي الرئيس المكلف، هذا الحرج سيصيب القوات اللبنانية والتغييرين وغيرهما، إذ في حال لم يأخذ الرئيس المكلف بطلباتهم أو أوامرهم وقرروا الذهاب إلى المعارضة سيكونون في صدام مع جمهورهم أولاً، إذ كانوا رأس حربة في تسمية الرئيس المكلف سواءً إقتناعاً أو إنصياعاً وبالتالي فإن المعارضة ستكون كلامياً فقط دون القدرة على التحرك كما حصل في العام 2019.
ومن خلال السياق يبدو أن فخامة الرئيس والرئيس المكلف وحفاظاً منهما على انطلاقة العهد بصورة طبيعية ودونما مطبات سيقبلان بمطالب الثنائي مع بعض الاخراج ورفض المطبات التي ستنتج عن مطالب الكتل الأخرى وخاصة القوات اللبنانية، إلا إذ كان القرار بتعريض لبنان لخطر لا يريده العقلاء من اللبنانيين، وعسى أن يكونوا كثر.
