نتنياهو ــ ترامب: ”تحالف الحرب“ أم ”تهدئة مؤقّتة“؟
| علي ديب |
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
بعد أسبوع من انتهاء “الهدنة الهشّة” مع العدو الإسرائيلي والإتّفاق على تمديدها حتى الثامن عشر من شباط، يتوجّه غدًا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لبحث التطورات الأخيرة في المنطقة، ولا سيما في جنوب لبنان. مع الإعلان عن هذه الزيارة، بدأت التساؤلات تتصاعد حول تداعياتها المحتملة، على غرار زيارات نتنياهو السابقة إلى الولايات المتحدة، والتي غالبًا ما حملت في طيّاتها انعكاسات خطيرة. فماذا بعد لقاء نتنياهو بترامب؟ وهل انتهت الحرب على الجبهة الجنوبية؟
أولًا، من الواضح أن جميع زيارات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في الفترة الأخيرة لم تكن إلا مقدمة لكوارث متتالية على المنطقة، ما يعكس بجلاء حجم الدعم الأمريكي المطلق للمشروع الصهيوني في الشرق الأوسط. هذه الزيارة، بلا شك، لن تكون استثناءً، إذ يُتوقع أن تحمل في طياتها مخططات خطيرة على مختلف المستويات، سواء عسكريًا، أمنيًا، أو سياسيًا.
من المؤكد، وفقًا لتصريحات المسؤولين والوزراء الإسرائيليين، أن نتنياهو لا يزال متمسكًا بخيار الحرب، فهو يعتبر أن المواجهة لم تنتهِ بعد، بل يواصل تبني النهج العدواني نفسه تجاه دول المنطقة، خصوصًا تجاه محور المقاومة. وعليه، فإن لقاءه المرتقب مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يسفر عن قرارات تصعيدية، قد تشمل تنفيذ ضربة عسكرية ضد أحد فصائل محور المقاومة، أو إعادة النظر في الاتفاقات، سواء عبر تعديلها أو التراجع عنها بالكامل، أو فرض عقوبات أكبر على بعض الدول المؤيّدة والداعمة لمحور المقاومة.
وفي السياق ذاته، تتزايد المؤشرات على أن المنطقة مقبلة على تحول استراتيجي ضخم، من ضمنه إعلان رسمي عن تطبيع سعودي-إسرائيلي، وهو أمر قد يتعزز عقب هذه الزيارة إلى واشنطن. إلى جانب ذلك، هناك مخططات يتم العمل عليها مع بعض الدول، مثل مصر، بهدف إعادة رسم الخارطة السكانية لقطاع غزة، عبر نقل عدد من سكانه إلى خارج القطاع، وهو سيناريو يثير قلقًا كبيرًا بشأن مستقبل القضية الفلسطينية.
على الجانب الآخر، لم تقف فصائل محور المقاومة مكتوفة الأيدي أمام هذه التهديدات المتصاعدة، إذ أكدت مرارًا أنها لا تزال في كامل الجهوزية والاستعداد لأي عدوان إسرائيلي جديد. وفي هذا الإطار، شدد الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، على أن المقاومة الإسلامية في لبنان لا تزال حاضرة في الميدان، وتترقب اللحظة المناسبة للرد على التحركات إسرائيلية في الجنوب اللبناني، في ظل تصاعد التوتر على الحدود.
ثانيًا، فيما يخص مصير الحرب، من الضروري التوضيح أن هذه الحرب لم تصل إلى نهايتها بعد، بل إن ما انتهى منها لم يكن سوى الجولة الأولى. أما الجولة الثانية، فإن توقيتها واندلاعها يعتمدان بشكل أساسي على مسار التحركات السياسية الجارية. فإذا تمكنت الدبلوماسية اللبنانية، من خلال اللجنة الخماسية، من ممارسة ضغط فعال على العدو الإسرائيلي لإجباره على الانسحاب من القرى اللبنانية المحتلة، فقد يتم تأجيل المواجهة العسكرية إلى أجل غير مسمى. أما إذا أصرّ العدو على البقاء في الأراضي اللبنانية، ولو لشبر واحد، فإن المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الاحتلال المتغطرس، الذي يواصل اعتداءاته وجرائمه اليومية، عبر تدمير وتفجير عشرات المنازل أمام أعين الدولة اللبنانية والجيش واللجنة الراعية للاتفاق. وهذا الواقع يجعل الجبهة الجنوبية أمام احتمال حتمي لجولة قتالية جديدة مع العدو الإسرائيلي.
موقف المقاومة واضح وثابت، فقد حمّلت الدولة اللبنانية المسؤولية الكاملة عن استمرار هذه الاعتداءات والانتهاكات، لكنها في الوقت نفسه أكدت أن أعين المقاومين لا تزال شاخصة نحو الميدان، وأنها لن تتردد في التحرك عندما ترى ذلك مناسبًا. وهذا يعني أن الرد على الخروقات الإسرائيلية قادم لا محالة، في الزمان والمكان اللذين تحددهما المقاومة، في حال لم تسفر الجهود الدبلوماسية عن نتائج ملموسة تُجبر الاحتلال على الانسحاب.
بالتوازي مع هذه التطورات، شهدنا تحركات شعبية واسعة من أهالي القرى المحتلة، كان أبرزها المسيرات التي أُطلق عليها “أحد العودة 1 و2″، حيث خرج الأهالي بمؤازرة الجيش اللبناني، واخترقوا الخطوط الفاصلة مع العدو، في مشهد بطولي جسّد إرادة الصمود والمقاومة. وقد قاوم هؤلاء المحتل بأجسادهم العارية، مما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى، في تأكيد جديد على أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، وأن المقاومة، بكل أشكالها، تبقى الخيار الوحيد لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
أخيرًا، من الضروري أن يبقى الجميع على ثقة وإيمان راسخين بالمقاومة، وبقدرتها التي أثبتتها على مدار السنوات، وبقيادتها الحكيمة التي لطالما برهنت أنها تتخذ قراراتها بحنكة ودراية، واضعةً المصلحة العليا في صميم استراتيجياتها. فالمقاومة اليوم لا تزال في أوج قوتها، سواء على مستوى العتاد أو العديد، ولا يزال في جعبتها الكثير من المفاجآت والأوراق التي ستلقي بها في ميدان القتال، لتفرض عبرها معادلات جديدة على العدو الإسرائيلي.
لقد واجهت المقاومة منذ تأسيسها العديد من الضربات القاسية، لكنّها لم تنكسر يومًا، بل خرجت من كل مواجهة أشدّ صلابة وأكثر قوة. فمنذ الثمانينيات وحتى يومنا هذا، لم تكن المقاومة مجرد قوة ردع، بل أصبحت رقمًا صعبًا في معادلة الصراع مع الكيان الإسرائيلي. وفي الجولة القادمة، سيتأكد مجددًا أن المقاومة لا تزال الطرف الأقوى، وأنها صاحبة اليد العليا في رسم مسار المواجهة، خصوصًا بعدما استنفد العدو معظم أوراقه العسكرية والاستراتيجية خلال الجولة الأولى، دون أن يتمكن من تحقيق أهدافه. فقد رأينا كيف لجأ الاحتلال إلى استخدام كل وسائله الهجومية، ومع ذلك، بقيت المقاومة صامدة حتى اللحظة الأخيرة، تواصل ضرباتها الصاروخية وإرسال مسيّراتها إلى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، من كريات شمونة إلى حيفا، وصولًا إلى تل أبيب.
القادم أعظم على العدو الإسرائيلي، والمفاجآت التي ستكشفها المقاومة في المعركة المقبلة لن تقتصر على الأعداء فحسب، بل ستُدهش حتى الحلفاء والمراقبين. فبعدما توهّم البعض أن المقاومة قد أنهكت أو استنزفت، ستأتي اللحظة التي ترد فيها بالشكل المناسب، وفي المكان والزمان اللذين تختارهما، لتعيد رسم قواعد الاشتباك، وتفرض من جديد معادلة القوة والردع على العدو الإسرائيلي.
هذا الاحتلال لن يخرج من الأراضي اللبنانية إلا مذلولًا ومنكسرًا، وسيسجّل التاريخ ويشهد العالم بأسره أن هذا “الوحش الهائج”، الذي بدا قويًا في الجولة السابقة، سيتحطم على أعتاب الجنوب اللبناني، ويُجبر على العودة إلى “حظيرته” مهزومًا، بإذن الله.
