شهر رمضان في لبنان: غلاء الأسعار يرهق الصائمين وغياب الرقابة يفاقم الأزمة

رئيس التحرير| كاتب وباحث سياسي
مع حلول شهر رمضان المبارك، يفترض أن تسود أجواء الرحمة والتكافل الاجتماعي، لكن في لبنان، يتحوّل الشهر الفضيل إلى موسم لاستغلال المواطنين من قبل بعض التجار الذين لا يتورعون عن رفع الأسعار بشكل جنوني. في وقت ينتظر فيه اللبنانيون انخفاض الأسعار كما يحصل في بعض الدول الأوروبية والعربية، يجدون أنفسهم في مواجهة موجة غلاء جديدة تزيد من معاناتهم اليومية.
الأسواق اللبنانية: جشع بلا ضوابط
تشهد الأسواق اللبنانية ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار السلع الغذائية والخضروات، حيث استغل التجار زيادة الطلب خلال رمضان لتحقيق أرباح مضاعفة دون أي وازع أخلاقي أو رادع قانوني. ومع تدهور القدرة الشرائية للمواطنين بفعل الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ سنوات، باتت العديد من العائلات عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، فيما تتراجع مظاهر الموائد الرمضانية الغنية التي كانت تجمع العائلات حولها.
ورغم الجولات التي تعلن عنها وزارة الاقتصاد والأجهزة الرقابية، إلا أن هذه الجولات لم تحقق أي نتائج ملموسة، إذ يستمر التجار في تسعير بضائعهم كما يحلو لهم، في ظل غياب رقابة صارمة وعقوبات رادعة. الفوضى في التسعير واضحة، حتى بين متجر وآخر، حيث تختلف الأسعار بشكل غير مبرر، ما يؤكد غياب أي آلية رقابية حقيقية.
لبنان في مواجهة أوروبا: الفرق واضح
على النقيض تمامًا مما يحدث في لبنان، تتبنى العديد من الدول الأوروبية سياسات تخفيض الأسعار خلال شهر رمضان والأعياد الدينية الأخرى، دعمًا للمستهلكين. ففي فرنسا وألمانيا، على سبيل المثال، تُطرح عروض خاصة على المنتجات الغذائية الأساسية، وتشجع الحكومات المتاجر الكبرى على خفض الأسعار أو تثبيتها لمساعدة الأسر ذات الدخل المحدود. أما في بريطانيا، فتخصص بعض المتاجر تخفيضات تصل إلى 30% على المنتجات الرمضانية، إدراكًا لأهمية هذا الشهر بالنسبة للمسلمين هناك.
وفي بعض الدول العربية، مثل مصر والإمارات والسعودية، تُطلق حملات لضبط الأسعار وتقديم سلع مدعومة أو مخفّضة للمواطنين خلال رمضان، وذلك عبر رقابة حكومية فعالة وإجراءات صارمة ضد المخالفين.
ماذا بعد؟
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا تستطيع السلطات اللبنانية تطبيق إجراءات مماثلة؟ هل يعود ذلك إلى غياب الإرادة السياسية أم إلى ضعف المؤسسات الرقابية؟ في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، لا يمكن ترك المواطنين لمصيرهم أمام جشع التجار. المطلوب اليوم ليس مجرد جولات إعلامية لوزارة الاقتصاد، بل إجراءات صارمة، تشمل تحديد سقوف للأسعار، وتشديد الرقابة الميدانية، وفرض عقوبات قاسية على المخالفين، إلى جانب تشجيع التعاون بين المجتمع المدني والبلديات لضبط الأسعار.
إن استمرار ارتفاع الأسعار بهذا الشكل الجنوني في لبنان خلال رمضان وغيره، يجعل من حياة اللبنانيين أشبه بمعركة يومية للبقاء، في حين أن التجار يواصلون مراكمة الأرباح دون حسيب أو رقيب. فهل يأتي اليوم الذي يرى فيه اللبنانيون إجراءات حكومية حقيقية تحميهم، أم سيبقى الحال على ما هو عليه، وعلى عينك يا تاجر؟
