الأسس الفكرية للكيان الأميركي 3/2
هذا التصادم بدأ منذ اللحظة الأولى لتأسيس الكيان الأميركي بين توجه الآباء المؤسسين بدولة كولونيالية تحاول بناء نفسها لتواجه الواقع الأوروبي، وتنافسه في الواقع الدولي، والمصارف الأوروبية ورجال المال الذين دأبوا ومنذ اللحظة الأولى على العمل من أجل أن يشرعوا عملهم متماثلين مع ما حصل في أوروبا مع الثورات البرجوازية السويد 1668، وبريطانيا 1698 وفرنسا 1790، حيث تأسست مصارف مركزية.
حيث أصبح المرابون المنبوذون في هذه البلدان يجلسون في مقاعدهم الفارهة في مصارفهم، وقد حذَّر الآباء المؤسسون من إنشاء مصارف فيديرالية ومخاطرها على البلاد. وهذا الصراع انسحب على مستوى المؤسسات الدستورية ومواجهات مع عدة رؤساء. إلى أن جاءت الفرصة للانقلاب الكبير بالإتيان برئيس موَّلَت المصارف معركته الانتخابية، وهو الرئيس وودرو ولسون، مقابل تعهده بالتوقيع على مرسوم تأسيس- احتياطي فدرالي- عند انتخابه، وهذا ما حصل في اليوم الأول لانتخابه وقع ولسون على مرسوم إنشاء بنك فيدرالي بالتعاون مع مورغان وكيل أعمال روتشيلد في أميركا، فكان انتصارًا للرأسمال المالي ونافذة للاستحواذ على عملية سك النقد.
سبق ذلك تعديل مبدأ مونرو فترة رئاسة ثيودور روزفلت 1903. على أثر الأزمة الفنزويلية عام 1902 – 1903 وحصار بحري فرضته المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا على فنزويلا بحجة تمنع فنزويلا عن سداد ديونها الخارجية – وهذه الحادثة كانت مناسبة لأميركا لتعديل مبدأ مونرو حيث أكدت حق الولايات المتحدة في التدخل لتحقيق الاستقرار في الشؤون الاقتصادية للدول الصغيرة في منطقة – البحر الكاريبي وأميركا الوسطى” – هكذا وعبر تاريخها تصوغ الولايات المتحدة القوانين لنفسها لخدمة مصالحها، وتفرضه على العالم لمنع التدخل الأوروبي في القارة الجديدة، وبذلك أعلن ولسون أميركا كدركي في النصف الغربي للعالم.
وفي هذا الواقع الجديد استخدمت طاقات هذه الدولة العسكرية في فرض سيطرة المصارف في العالم. إن تأسيس بنك فيدرالي، كان بداية مسار جديد للكيان الأميركي. ومقدمة لاكتمال مشروعه للسيطرة. واستطاع عبر مساره الدؤوب في العقود التالية ان يكون الدولة العميقة – والهدف السيطرة على العالم، وهذا المشروع بدأ بالتحقق تدريجيًا حتى اكتماله في أواخر القرن العشرين.
وكانت الحرب العالمية الأولى الخطوة الأولى في مسيرة الدولة الأميركية المتحالفة مع المصارف الفيديرالية – وهي حرضت عليها.
فوجود نظامين إمبراطوريين كبيرين – كان يشكل عائقًا أمام تمدد المصارف للسيطرة على خيرات هذه البلدان وأسواقها. وعليه كان القرار الأميركي بعدم دخول الحرب إلا بعد سقوط هاتين الإمبراطورتين. وهذا ما حصل فدخلت أميركا الحرب في أواسط العام 1917 في آخر شهورها عندما سقطت القيصرية الروسية في شباط وكذلك كانت علامات هزيمة ألمانيا أصبحت واضحة، وخلال سنوات الحرب، وقبل أن تشارك أميركا في الحرب عسكريًا كانت تبيع العتاد للمتحاربين، وتقدم القروض لهذه الدول، فخرجت من الحرب وإن كانت دون مكاسب استعمارية بحسب اتفاقية فرساي 1918. ولكن هذا البلد الذي كان الأكثر مديونية إلى جانب القيصرية الروسية خرج من الحرب بلا ديون وأضحى دائناً.
شكل ذلك جزء من الثورة النقدية، التي ترافقت مع تأسيس المصارف المركزية، والتي أنجزت بعد الثورات البرجوازية في أوروبا، والتي ساهمت بإضفاء صفة الشرعية على الربى، وإنشاء أسواق وتحرير شامل للنشاط الاقتصادي في معركة خاضتها المصارف مع المجتمع عنوانها المال والنقد. وانتقل إلى حقل السياسة والقانون، وإلى ساحتي الأخلاق والدين، والأدوات التي استخدمتها المصارف لتغيير الوعي والسلوك عبر خطوات متتابعة وإحداث تغييرات في البناء الروحي للمجتمع، وقد تجلت هذه المعارك عبر أعمال ماكس فيبر “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” وفرنز زومبارت “البرجوازي” وغيرهم كُثر.
وفي الولايات المتحدة سلكت المسار نفسه، ولكن بصعوبة أكبر. فالبنك المركزي “الاحتياط الفدرالي”. لم يرسخ شرعيته بشكل تام إلّا في العام 1913. وهذا التاريخ كان بداية انطلاق عملية السيطرة على قرار الكيان الأميركي عبر التحالف مع السلطة السياسية وما هي إلّا عقود، حتى استطاعت أن تعطل كل محاولات بعض السياسيين الشجعان الذين رفضوا سيطرة المصارف وحيث فشل الترغيب والرعاية السياسية كان الاغتيال هو الحل كما حصل مع الرئيس جاكسون – محاولتي اغتيال وكذلك اغتيال الرئيس لنكولن. وأيضًا في افتعال الأزمات المالية وتقديم نفسها في آن أنها هي القادرة على الحل.
إن قانون الاحتياطي الفدرالي”Federal Reserve Act”، أسس لقيام منظمة البنك الاحتياطي في الولايات المتحدة الأميركية IRS التي تتألف من اثني عشر مصرفًا احتياطيًا فيدراليًا (مصارف خاصة). وقد أضيف على هذا القانون تعديل المادة السادسة عشر التي تسمح للحكومة بفرض ضريبة على الدخل.
فالمصارف من خلال قانون ضريبة الدخل حريصة على تأمين مصدر للحكومة لدفع الفوائد على القرض الممنوح لها تجاه منظومة الاحتياطي الفدرالي – وعند اكتمال هذه المهمة التي وضعها روتشيلد أمام مندوبه في أميركا – مورغن – شكل ذلك البداية لأن يصبح الكيان الأميركي والشعب الأميركي رهينة للمصارف، وأداة لفرض أهدافها، ويقول عضو مجلس الشيوخ ليزبرغ الذي صوت ضد قرار إنشاء البنك، والذي يورده رالف إيبرسون في كتابه “اليد الخفية” “إنّ إقرار هذا القانون إنما أرسى تأسيس أضخم شركة احتكارية في العالم، وحين يصدّق الرئيس على هذا القانون (وهو صدَّق) فإن الحكومة الخفيَّة بقوّة المال. سوف تصبح شرعية… إن القانون الجديد سوف يسبب التضخم، ويصبح نشوء حالة الكساد على أساس علمي”.
وفي كتابه “الملزمة الاقتصادية Economic Pinch الذي صدر في 1921. يقول إيبرسون: “طبقًا لقانون الاحتياطي الفدرالي سوف يجري خلق حالات الذعر (المصرفي) على أساس علمي، وقد كان هذا الذعر هو الأول الذي صُنِع على أساس علمي”.
وهكذا حصلت عمليات ذُعر نظمها الفدرالي الأميركي (مجموعة المصارف) عبر عملية إقراض نشطة؛ وبالتالي تقليص عملية الاقتراض، واسترجاع القروض التي سبق ومُنِحَت، ولاحقًا تنظيم عملية إفلاس الزبائن والقيام بجني “المحصول” على شكل استرداد الرهونات وشراء الأصول التي انخفضت أسعارها في السوق. وهذا ما حصل في العام 1920.
حيث حصلت المصارف والمالكون الأساسيون في النظام الاحتياطي على مساحات واسعة جدًا من الأراضي الزراعية التي كانت مرهونة عندهم كما أعلن 5400 بنك عن إفلاسه، فانتقلت ممتلكات هذه المصارف إلى أصحاب البنك الاحتياطي الفدرالي. وهذه العملية (السرقة) تكررت في 1929، ولكن عملية سرقة أكبر وأكثر جموحًا. حيث اختفى من الوجود 16000 بنك هذه المرة ما عزز موقع المرابين الأساسيين الذي يبلغ عددهم ماية من بين 14000 بنك باقية على قدميها. وهذه المصارف الماية أصبحت تسيطر على 50% خمسين في المائة من الأصول المصرفية في البلاد. واستحوذ 14 مصرفًا كبيرًا على خمسة وعشرين في المائة 25% من جميع الودائع المصرفية. “رالف إيبرسون اليد الخفية”.
وعند نهاية الأزمة المالية في العام 1932 قام عضو مجلس الشيوخ لويس ماكفادين. بالمطالبة بإعفاء وزير المالية، والمفتش المالي والمسؤولين جميعهم في مجلس الاحتياطي الفدرالي بسبب الجرائم التي ارتكبوها والخيانة والاحتيال. بلا جدوى – وقد تعرض بعدها لعدة عمليات اغتيال. بالتوازي كان الوقت قد حان لإخضاع الدول الأوروبية الاستعمارية والانتقال إلى أوروبا كساحة حرب.
وعند انتهاء الحرب بمعاهدة فرساي. حيث خرجت أميركا بمكاسب مالية كبرى. ولكنها لم تحصل على الشراكة على مستوى المستعمرات. كانت المفاجأة غير المتوقعة هي الثورة البلشفية في روسيا التي أسقطت طموحات الدول الأوروبية، والمرابين. الذين كانوا يعدون العدة للسيطرة على روسيا عبر حكومة كيرنسكي البرجوازية. وروتشلد خسر شركاته النفطية في باكو (أذربيجان) و”غروزني” القوقاز المستعمرات الروسية.
بعد انتهاء الحرب العالمية، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية التحضير لحرب جديدة في تطوير لآليات الصراع داخل ألمانيا ومع المحيط.
ففي العام 1922 بدأ الاهتمام المباشر عبر إرسال أحد عملائها أرنست هافستيغل الذي نشر مذكراته في العام 1954 – وأقام علاقة صداقة مع هتلر. وأصبح عضواً في الحزب النازي وهو الأميركي من أصول ألمانية. ورغم القيود التي وضعتها معاهدة فرساي على ألمانيا بشأن جيشها، وتعويضات الحرب التي حملت حصريًا لها. فقد بدأت الشركات الأميركية باستثمارات كبيرة في الصناعة الألمانية.
الخطة الأميركية اقتضت بالعمل على ثلاثة محاور. والهدف إسقاط حكم البلاشفة في روسيا وتاليًا في الاتحاد السوفياتي. وعليه وبعد دراسة واقع الحركة النازية في ألمانية وعدائها للسوفيات فاستخدام النازية في ألمانيا يوجب تمكين النازيين من إعادة بنائهم لقوتهم الاقتصادية والعسكرية وبالنتيجة توجيه هذه القوة لمحاربة الاتحاد السوفياتي.
المحور الثاني العمل، ومن خلال الحرب – إلى إسقاط أوروبا وألمانيا باعتبار أن هذه الحرب إذا اندلعت بين ألمانيا الهتلرية والاتحاد السوفياتي. ستضعف الطرفين، وتسهل بعد إسقاط حكم البلاشفة – إسقاط الهتلرية في ألمانيا.
والمحور الثالث القيام بالإجراءات المناسبة لسيطرة أميركا. وعلى العالم من خلال التحضير لأن يصبح الدولار عملية التبادل العالمية، والذي أنجز في مؤتمر بريتون وودز 1944.
إن الكساد الكبير الذي حدث في العام 1929 – كان من الظروف التي أعطت الزخم للأحزاب القومية الاشتراكية في أوروبا ووصولهم إلى السلطة في إيطاليا وألمانيا.
وهذا الكساد الذي اجتاح العالم كله، وعمل الاحتياطي الفدرالي الأميركي دورًا أساسيًا في التسبب في هذه الأزمة – عبر المضاربات المالية – وتجارة الأسهم في وول ستريت، والسمسرات والمضاربات. وفي “الخميس الأسود” 24 تشرين الأول عام 1929 كان يوم انهيار البورصات المفتعل في وول ستريت، وكان ثلث 1/3 أسواق الأسهم قد تبخرت وأغلقت المصانع، وأفلست المصارف. وكان ذلك بتواطؤ الرئيس الأميركي هوفر.
هذه الأحداث قدمت لوقف القروض الائتمانية. وفي ألمانيا عندما أعلن رجل وول ستريت باروخ – المطالبة فجأة بتسديد الديون لحكومة ألمانيا. سحب رجال المال الأميركيون كل استثماراتهم في ألمانيا. فحصل الكساد، وتاليًا الانهيار التام للاقتصاد الألماني – وانتشرت الأزمات الاجتماعية، والبطالة كل ذلك مضافًا إلى الصعوبات الكبيرة التي عانتها ألمانيا في ظل شروط معاهدة فرساي 1918 التي أجبرت ألمانيا على دفع كلفة الحرب العالمية الأولى بكاملها لبريطانيا وفرنسا. وهذا الكساد استمر حتى العام 1932 – وفي ظل هذه الأزمة، وفي الانتخابات النيابية تقدم النازيون في الرايخستاغ الذين حصلوا على مائة وعشرين مقعدًا.
