المشروع الأميركي… للسلام بين لبنان وإسرائيل!

يتقدّم المشروع الأميركي للتطبيع والسلام بين لبنان وإسرائيل بخطوات متسارعة، من باب “إنهاء الحرب” وفق “اتفاق تشرين” المتعدد التفاسير والضمانات الغامضة، والذي لا يبدو واضحًا فيه إلا استمرار الحرب من الجانب الإسرائيلي، حيث تم “تقييد” المقاومة، فيما استكمل العدو الاقتصاص منها، وشلّ حركتها، واغتيال مسؤوليها ومجاهديها، وقصف مواقعها.
يعتمد المشروع الأميركي على استراتيجية “السلام بالمفرّق” دون توقيع اتفاق واضح، كما حدث في اتفاق 17 أيار، لضمان تمرير قرار التطبيع والسلام دون معارضة شعبية، مستفيدًا من الظروف اللبنانية الاستثنائية التي تختلف عن بقية الدول العربية، حيث تقرّر الأنظمة وتصفّق الشعوب أو تصمت، في حين أن الوطنيين اللبنانيين سيعارضون السلام مع إسرائيل، رغم تأييد بعض القوى اللبنانية، للأسف.
بعد تجربة مفاوضات الغاز وحقل “كاريش”، حيث جنى العدو الإسرائيلي الأرباح وحقق مطالبه، فيما عاد لبنان بخُفَّي حنين، وبعد “اتفاق تشرين” الذي يستغله العدو، تعمل أميركا على تكرار تجربة ترسيم الحدود البحرية في مشروع ترسيم الحدود البرية، وبالمفرّق أيضًا، من خلال التفاوض حول النقاط الـ 13 التي تحفظ عليها لبنان عند رسم الخط الأزرق عام 2000، وأُضيف إليها “المسامير الخمسة” بعد حرب تشرين 2024.
يشمل “السلام بالمفرّق” العناوين التالية:
- تعديل خط الحدود اللبنانية-الفلسطينية الذي رسمه اتفاق “الهدنة” عام 1949، وثبّته الخط الأزرق عام 2000، ويحاول العدو الإسرائيلي نسفه بعد حرب 2024، عبر طرح مبدأ المقايضة الجغرافية، حيث يحتفظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية مقابل التنازل عن أراضٍ أخرى لا تحمل أهمية استراتيجية.
- تقاسم المياه بين لبنان وإسرائيل تحت عنوان “مشروع دولي لإدارة المياه ومنع هدرها في البحر”، بعد تعطيل مشروع الليطاني لأكثر من 50 عامًا، بسبب الفساد اللبناني أو الاجتياحات والتهديدات الإسرائيلية.
- تثبيت إقامة منطقة خالية من السلاح والمسلحين جنوبي الليطاني، مع محاولة إنشاء شريط عازل على الحدود، بعمق كيلومترين، خالٍ من السكان.
- نزع السلاح الثقيل للمقاومة شمال الليطاني، بحجة تهديده للعمق الإسرائيلي.
- توطين الفلسطينيين ودمج النازحين السوريين، بهدف تغيير المعادلات الديموغرافية وصناعة “أكثرية سنيّة متطرفة” ترفض التعايش مع بقية الطوائف، وتُسيطر على القرار السني المعتدل في لبنان.
تسعى الدبلوماسية الأميركية، تحت نيران القصف والاغتيالات الإسرائيلية، إلى تمرير هذا الاتفاق بسرعة، مستفيدةً من صمت المقاومة العاقل والشجاع، بالإضافة إلى حاجة المقاومة لفترة زمنية لترتيب أوضاعها، ومن تأييد أو صمت وحياد الأغلبية في لبنان، لا سيما المنظومة السياسية التي تم تشكيلها، والتي لا تعارض اتفاق التطبيع والسلام مع العدو، باستثناء قوى المقاومة وأنصارها والوطنيين اللبنانيين، الذين باتوا أقلية محاصرة.
إن “السلام بالمفرّق” أو التطبيع المخادع، سيتم تمريره تحت ذريعة حاجة الناس، لا سيما “الشيعة”، لإنهاء الحرب التي تشنّها إسرائيل من طرف واحد، وإعادة الإعمار، وإراحة المواطنين، مع الاستناد إلى تجربة “الهدنة الطويلة غير المُعلنة” بعد حرب تموز 2006 والقرار 1701، التي استمرت نحو 17 عامًا، احتفظت خلالها المقاومة بسلاحها دون هجمات أو قصف داخل فلسطين المحتلة، فيما التزمت إسرائيل بعدم الاعتداء المباشر، مكتفيةً بالخروقات الجوية والبحرية.
يتم تحضير مشروع إنهاء الحرب بشكل ناعم وبخطوات متفرقة، وتعتقد أميركا أنها قادرة على إنجازه قبل نهاية العام الحالي، مستفيدةً من الظروف الصعبة التي تمر بها المقاومة، بعد الضربات التي تلقتها، وسقوط النظام في سوريا، وإطباق الحصار عليها، وتهافت العرب والمسلمين للقضاء على القضية الفلسطينية وحركات المقاومة. وإذا لزم الأمر للضغط على المقاومة وإجبارها على الصمت، فقد تلجأ أميركا إلى إشعال فتنة داخلية، من خلال استغلال النازحين السوريين المؤيدين للجولاني وجبهة النصرة وداعش، بعد تجارب المجازر التي ارتكبتها النصرة وأخواتها ضد العلويين والمسيحيين في الساحل السوري. وقد تكون أميركا أكثر جرأة، فتُكلّف بعض النواب بتقديم مشروع قانون لتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل!
هذا ما تخطّط له أميركا وأدواتها، لكن نجاح هذا المشروع ليس بيدها وحدها، لأن قوى المقاومة العسكرية والمدنية والسياسية لن تبقى صامتة أو مقيّدة أو عاجزة، بل ستبادر لمقاومة هذا المشروع الذي يُسقط لبنان في القبضة الإسرائيلية-الأميركية. ليس كل ما تقرره أميركا قدرًا محتومًا علينا القبول به!
الحرب لم تنتهِ بعد… وستكون طويلة وصعبة… ومتعددة الجبهات…
