إقرار الموازنة بمرسوم: بين اللامشروعية الدستورية والضرورات المالية…!!

كاتب وخبير دستوري وأستاذ جامعي
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
مع تشكيل حكومة نواف سلام، ووسط تعقيدات المشهد المالي والاقتصادي في لبنان، أقدمت الحكومة على إقرار الموازنة العامة بمرسوم، متبنيةً مشروعًا كانت قد أعدّته سابقا حكومة نجيب ميقاتي. هذا الإجراء، الذي يعدّ سابقة غير مألوفة في الممارسة الدستورية اللبنانية، يطرح إشكاليات جوهرية حول مدى توافقه مع أحكام الدستور، وما إذا كان يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات. كما يثير التساؤل حول الخيارات البديلة المتاحة للحكومة، لا سيما في ظل إمكانية اعتماد القاعدة الاثني عشرية أو تقديم مشروع موازنة جديد يعكس توجهاتها الإصلاحية.
الإطار الدستوري لإقرار الموازنة.
تشكّل الموازنة العامة في النظام الدستوري اللبناني قانونًا سنويًا يُعرض على مجلس النواب لدراسته وإقراره، وفقًا لما نصت عليه المادة 83 من الدستور، التي تفرض على الحكومة تقديم مشروع قانون الموازنة إلى المجلس النيابي للموافقة عليه فصلًا فصلًا، قبل اقراره وإصداره بقانون.
كما تعالج المادة 86 حالة عدم اقرار مجلس النواب الموازنة قبل بدء السنة المالية، حيث تُجيز للحكومة اعتماد القاعدة الاثني عشرية، أي الإنفاق شهريًا وفق موازنة السنة السابقة. لكن هذه القاعدة تبقى حلًا مؤقتًا، لا يمكن أن تعتمد كبديل عن إقرار الموازنة العامة بقانون.
أما المادة 16 من الدستور، فقد حصرت سلطة التشريع بمجلس النواب، ما يجعل أي محاولة لإقرار الموازنة بمرسوم تجاوزًا لمبدأ الفصل بين السلطات، الذي يُعتبر حجر الأساس في النظام البرلماني اللبناني.
إشكاليات إقرار الموازنة بمرسوم.
- التجاوز الدستوري:
إن إقرار الموازنة بمرسوم حكومي، بدلًا من اعتماد المسار التشريعي الطبيعي عبر مجلس النواب، يُعدّ خرقًا واضحًا لمبدأ المشروعية الدستورية، إذ أن الموازنة، بصفتها قانونًا، لا يمكن أن تصدر إلا بتشريع نيابي.
2.تبنّي مشروع قانون أعدته حكومة تصريف أعمال.
يثير قرار حكومة نواف سلام تساؤلًا جوهريًا حول مدى جواز تبنّي حكومة جديدة لمشروع موازنة وُضع في عهد حكومة تصريف أعمال. فالموازنة ليست مجرد حسابات رقمية، بل تعكس الرؤية الجديدة للحكومة لاسيما السياسات المالية والاقتصادية التي سوف تشكل خارطة طريق، ما يفرض ضرورة مراجعتها وتعديلها قبل عرضها على المجلس النيابي.
- تعطيل دور السلطة التشريعية:
يتجاوز هذا الإجراء الأصول الدستورية، إذ يحرم مجلس النواب من ممارسة دوره الرقابي في مناقشة ودراسة بنود الموازنة، ما يُضعف المساءلة المالية ويجعل الإنفاق الحكومي خارج نطاق الرقابة البرلمانية. - احتمالية الطعن بعدم المشروعية:
إن إعتماد مبدأ إقرار الموازنة بمرسوم قد يكون عرضة للطعن أمام مجلس شورى الدولة، نظرًا لعدم استناده إلى نص دستوري صريح يجيز مثل هذا الإجراء. وقد يؤدي ذلك إلى تداعيات قانونية تُفاقم الأزمة المالية بدلًا من حلّها.
القاعدة الاثني عشرية كإجراء مؤقت.
على افتراض أنه في حال عدم تمكن مجلس النواب من إقرار الموازنة ضمن المهل الدستورية، يمكن للحكومة عندئذ اللجوء إلى القاعدة الاثني عشرية، التي تُجيز لها الإنفاق وفق اعتمادات السنة المالية السابقة. إلا أن هذا الحل، وإن كان دستوريا ، إلا أنه يبقى إجراء غير عملي ، لا سيما في ظل المتغيرات الاقتصادية التي فرضت واقعًا ماليًا جديدًا يتطلب إعادة تقييم للاحتياجات المالية للدولة.
التداعيات القانونية والسياسية لإقرار الموازنة بمرسوم.
- إضعاف الثقة بالمؤسسات الدستورية:
إن ما اعتمدته الحكومة لهذه الناحية يشكّل تجاوزا لمجلس النواب في مسألة جوهرية تدخل في صلب مهامه واختصاصاته وهي تمثل سابقة خطيرة قد تُضعف النظام البرلماني، وتفتح الباب أمام تكرار مثل هذا النهج مستقبلا. - تأثير سلبي على الإصلاحات المالية:
نظرًا لكون حكومة نواف سلام تحمل توجهًا إصلاحيًا، فإن اعتمادها لموازنة لم تكن من إعدادها قد يتعارض مع رؤيتها المالية المستقبلية. كما أن هذا الإجراء قد يُضعف موقف لبنان في مفاوضاته مع المؤسسات المالية الدولية، التي تشترط وضوحًا قانونيًا وشفافية عالية في إدارة المالية العامة. - التعارض مع الممارسات القانونية في أنظمة دستورية مشابهة.
مقارنةً بتجارب دول أخرى، نجد أن معظم الأنظمة البرلمانية تمنع الحكومات من الإنفاق دون موافقة السلطات التشريعية، كما هو الحال في ألمانيا وإيطاليا. أما في فرنسا، فعلى الرغم من وجود المادة 49-3 التي تتيح للحكومة تجاوز البرلمان في إقرار الموازنة، إلا أن ذلك يقترن بإمكانية إسقاط الحكومة بحجب الثقة.
الحلول الدستورية البديلة.
- تقديم مشروع موازنة جديد:
كان من الأفضل لحكومة نواف سلام إعادة دراسة مشروع الموازنة، وإجراء التعديلات اللازمة عليه بما يتوافق مع رؤيتها المالية المستقبلية، ثم تقديمه إلى مجلس النواب بصيغته المعدلة-الجديدة وفق الأصول الدستورية، بما يضمن احترام الفصل بين السلطات ويمكن المجلس النيابي من دراسته وتشريحه واقراره وفقا للاصول. - اقتراح قانون بتمديد العمل بالموازنة السابقة:
بدلًا من الإنفاق عبر مرسوم، يمكن للحكومة اقتراح قانون على مجلس النواب لتمديد العمل بموازنة العام الماضي إلى حين إقرار موازنة جديدة، ما يوفر غطاءً قانونيًا ودستوريا لاعمالها. - تفعيل الرقابة النيابية على الإنفاق الحكومي:
يمكن للحكومة، بالتنسيق مع المجلس النيابي، وضع آلية رقابة دورية لمراجعة الإنفاق العام، عبر إقرار اعتمادات مالية مرحلية تضمن استمرارية العمل الحكومي دون تجاوز.
خاتمة:
إن إقرار الموازنة بمرسوم حكومي يُعدّ تجاوزًا خطيرًا لأحكام الدستور اللبناني، ويهدد بمزيد من التعقيدات السياسية والقانونية. وبينما تُعدّ القاعدة الاثني عشرية مخرجًا مؤقتًا، فإنها لا توفر حلولًا مستدامة أو عملية للأزمة المالية القائمة.
وبالتالي كان الأجدى بحكومة نواف سلام، بما أنها تتبنى رؤية مالية جديدة وخطابًا إصلاحيًا، أن تعتمد إجراءات تتماشى مع الأحكام الدستورية، وواقع الازمة المالية، إما عبر تقديم مشروع قانون موازنة جديد، أو عبر اقتراح قانون يتيح تنظيم الإنفاق الحكومي خلال المرحلة الانتقالية. ذلك أن اي إصلاح مالي حقيقي يجب أن يستند إلى قواعد قانونية ورؤية واضحة، لا إلى تجاوزات قد تزيد من حدة الأزمات في البلاد.
