مأساة أمٍّ… والتعتيم الإعلامي: عندما تُقتل الحقيقة مرتين
كنت قد أشرتُ في مقال سابق إلى أهمية السلام، لا من أجل السياسيين أو الدول، بل من أجل الأمهات اللاتي يدفعن الثمن الأكبر في الحروب. فالحرب لا تقتل فقط من يقف في وجهها، بل تمتد كيدٍ طويلةٍ تخطف الأبناء، تاركةً الأمهات غارقاتٍ في دوامة الفقد والأسى. لكن، ماذا لو لم يكن القتل وحده كافيًا؟ ماذا لو تبع الموت شماتةٌ باردة، وصمتٌ إعلاميٌّ متواطئ؟
بين القتل والتشفي: أين ضمير الإنسانية؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لا يمكن وصف الألم الذي يصيب أمًّا تلقت خبر مقتل أبنائها، لكن الجريمة تصبح أكثر وحشيةً حين تُسلَّم لها جثثهم وكأنها “هديةٌ” ممزوجة بالسخرية والانتقام. لم يُكتفَ بحرمانها من فلذات كبدها، بل زادوا الجرح عمقًا حين قالوا لها إنها “تستحق المعاناة”، وكأن قتل أبنائها لم يكن كافيًا، وكأن الهدف لم يكن فقط إسكاتهم، بل أيضًا كسر قلبها للأبد.
الشماتة في الفقدان ليست مجرد قسوة فردية، بل هي مؤشر خطير على تحلل الأخلاق وتوحش النفوس. أن يستهزئ أحدهم بأمٍّ تبكي أبناءها، فهذا يعني أن الرحمة قد غادرت القلوب، وأن العنف لم يعد مجرد فعل عسكري، بل أصبح ثقافةً يتم تداولها بلا أي إحساس بالخزي أو العار.
التعتيم الإعلامي: قتلٌ ثانٍ للضحايا
لكن المأساة لم تتوقف عند الشماتة، بل تجاوزتها إلى الصمت الإعلامي المطبق. لم تتصدر هذه الجريمة العناوين، ولم تُفتح لها المساحات لمناقشتها كما يجب، بل تم التعامل معها وكأنها لم تحدث أبدًا. التعتيم الإعلامي ليس مجرد إهمال، بل هو مشاركة غير مباشرة في الجريمة، لأنه يحجب الحقيقة ويمنح القتلة فرصةً للإفلات من المحاسبة.
عندما يسكت الإعلام عن مثل هذه الجرائم، فإنه لا يسكت فقط عن جريمة وقعت، بل يمهد الطريق لمزيد من الجرائم المستقبلية. الصمت يعني أن القتلة يمكنهم أن يفعلوا ما يشاؤون دون خوف من الفضيحة أو العقاب.
كيف نواجه هذا الصمت؟
أمام هذه الفاجعة، لا يكفي الحزن أو الغضب، بل يجب أن يكون هناك تحركٌ حقيقي لكسر حاجز الصمت:
1. نشر القصة بكل الطرق الممكنة: عبر وسائل التواصل الاجتماعي، المقالات، والفيديوهات، لمنع نسيان الضحايا وإبقاء أصواتهم حية.
2. التواصل مع الإعلام المستقل والمنظمات الحقوقية: لتوثيق الحادثة وضمان عدم مرورها مرور الكرام.
3. تحفيز النقاش العام حول التعتيم الإعلامي: لماذا تُغطى بعض الأحداث وتُطمس أخرى؟ ومن المستفيد من ذلك؟
4. إحياء ذكرى الضحايا: عبر حملات إلكترونية أو حتى أعمال فنية (لوحات، أفلام وثائقية، قصائد) تعكس حجم الألم والظلم.
آذار: شهر الأم… وشهر الخذلان
يأتي شهر آذار محمّلًا برسائل الحب والامتنان للأمهات في مختلف بقاع العالم، لكنه في بعض الأماكن يحمل رسائل أخرى: رسائل قتل، فقدان، وكسر قلوبٍ لا يمكن جبرها. وبينما تُحتفى بعض الأمهات بفلذات أكبادهن، هناك أمٌ تجلس أمام جثث أبنائها، تواجه الألم وحدها، ليس فقط لأنهم رحلوا، ولكن لأن العالم قرر أن يتجاهلها، وأن يتركها لوجعها بلا عزاء.
هذه الجريمة ليست مجرد حدث عابر، ولا مجرد قصة حزينة تُروى ثم تُنسى. إنها جرحٌ في ضمير العالم، واختبارٌ لإنسانيتنا جميعًا. فهل نقف صامتين، أم نكسر حاجز التعتيم ونمنح هذه الأم – وأمهات مثلها – حقهن في العدالة، وحق أبنائهن في ألا يُنسوا؟
