فشرت… نحن ما منغدر
- كتبت حوراء غندور
وقفت هناك، وسط الدم والتراب، بين الحياة والموت، تحدّق في الجثث المسجّاة أمامها. ثلاثةُ أجسادٍ باردة، ثلاثةُ أرواحٍ انتُزِعت منها الحياةُ عنوة، كانوا فلذات كبدها، وكانت أمهم، والآن… باتت أماً لثلاثة شهداء.
وقف القتلة أمامها، وجوههم لا تحمل سوى القسوة، وألسنتهم تنفثُ الكراهية. رفع أحدهم يده، وألقى أمامها بأجساد أبنائها قائلاً ببرود: “خذي أبناءك.”
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لم تمد يدها، لم تلمسهم، لم تَجثُ كما أرادوا لها أن تفعل. فقط رفعت عينيها إلى السماء، واهتزّ صوتها بين الألم والإيمان:
“اللهم إني أشهدك أنهم قتلوا أبنائي… فإني أسألك أن لا تغفر لهم أبداً.”
كان الدعاء أقسى من أي صرخة، كلماته اخترقت صمت المكان كالسيف، لكنهم لم يكتفوا. اقترب أحدهم منها، صوته يقطر حقدًا: “سنقتلكم جميعًا، لن نترك علويًا واحدًا يحكي ما جرى، أنتم الغدّارون.”
عندها، رفعت إصبعها عاليًا، بعزة لم تهتز، بصلابة جبل لم ينحنِ، وقالت بصوت ملأ المكان، بل ملأ الزمن بأسره:
“فشرت! نحن ما منغدر.”
تراجعت وجوههم، وكأنها صفعتهم جميعًا بكلمة واحدة. أرادوا إذلالها، فأذلهم موقفها. أرادوا أن يروا دموعها، فلم تمنحهم حتى دمعة. كانوا هم القتلة، لكنها كانت المنتصرة.
حينها، لم يجدوا ما يقولونه سوى همهمة مرتبكة: “فشرت… لا نستطيع.”
نعم، لا يستطيعون… لا يستطيعون كسر من ربط مصيره بالله، لا يستطيعون قتل من زرع جذوره في أرضه، ولا يستطيعون إطفاء نور من باتت روحه في السماء، وذكراه في كل قلب ينبض بالحياة.
ويبقى السؤال:
من الجهة التي جعلت هؤلاء يعتقدون أن العلويين غدروا بهم؟ من أقنعهم بهذه الكذبة حتى تملّكهم الحقد الأعمى؟ هل هناك جهة ثالثة دخلت على الخط وأشعلت نار الفتنة، أم أن هؤلاء التكفيريين الذين سبق وصرّح قائدهم بأن العلويين ليسوا من ملة الإسلام هم المسؤولون عن هذا العداء؟
أسئلة تبقى في وجدان كل حر، وأسئلة لا بد أن تجد جوابها يومًا…
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يترك مظلومًا واحدًا في هذا العالم إلا ويكشف حقه، ولا ظالمًا إلا ويأخذ الحق منه، مهما طال الزمن.
