اللبنانيون… وعزل طائفة المقاومين!

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
يعتقد بعض اللبنانيين أن العدو الإسرائيلي قد هزم “طائفة المقاومة”، وأن عليها أن تدفع الأثمان في الداخل اللبناني. ويبدو أن منهج الجماعات التكفيرية في سوريا، التي ثأرت من أبناء الطائفة العلوية سواء كانوا معارضين للنظام السابق أو مؤيدين له – مدنيين وعسكريين، حتى الأطفال والنساء الأبرياء – لمجرد أنهم وُلِدوا علويين، يسلكه بعض اللبنانيين اليوم. فهؤلاء، سواء من “أولاد القصعة” الذين كانوا يعيشون على موائد المقاومة، أو من “أولاد الأفاعي” من خصومها، يحاولون محاسبة الشيعة على أعمال المقاومة، ويضعون الشروط، مطالبين بنزع السلاح وإسقاط المقاومة المسلحة، والاكتفاء بالمقاومة الدبلوماسية، التي لا يملكون شيئًا من مقدّراتها. فهم ليسوا في موقع القوة الدبلوماسية الدولية التي تستطيع فرض شروطها أو تحقيق مطالبها، بل مجرد مجموعة من “المتسكعين” الهامشيين، المنفّذين لإملاءات بعض السفارات، وعلى رأسها “سفارة عوكر”، التي تعمل على تعكير أجواء التعايش والسلم الأهلي اللبناني.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
ونسأل هؤلاء، وبعضهم لا يزال مراهقًا في السياسة:
- هل استطاعت الدبلوماسية اللبنانية التصدي للقرار الدولي الذي يفرض بقاء النازحين السوريين في لبنان، رغم انتفاء الأسباب التي أدت إلى نزوحهم، والتي كان أكثرها تزويرًا؟ هؤلاء الذين صوّتوا للنظام الذي فرّوا منه بنسبة 90% في انتخاباته الأخيرة، فلماذا لا تزال الدولة ممنوعة من ترحيلهم، رغم أنهم يرفعون شعارات التأييد لسلطة “الجولاني”؟
- لماذا لم تستطع الدبلوماسية اللبنانية تحرير لبنان من خطر النازحين السوريين، وهو ملف أسهل بكثير من تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي ومنع القصف والاعتداءات؟
- هل تستطيع الدبلوماسية اللبنانية منع توطين الفلسطينيين في لبنان إذا قررت أميركا ذلك؟
- هل تستطيع الدبلوماسية اللبنانية منع اجتياح التكفيريين للبقاع إذا قررت أميركا تكليفهم بهذه المهمة؟
في الحرب الأهلية اللبنانية، عارض الإمام موسى الصدر، ومعه طائفته، “عزل المسيحيين”، ودفعوا أثمانًا كبيرة، كان أعظمها اختطاف السيد موسى الصدر، لأنه رفض التوطين ورفض عزل المسيحيين. فهل نجحت الدبلوماسية اللبنانية – رغم محاولاتها – في كشف عملية الاختطاف وإعادة السيد الصدر حيًا أو شهيدًا؟
علينا ألا نحمّل الدولة اللبنانية فوق طاقتها، فهي مُجبرة على تبنّي “المقاومة الدبلوماسية”، ومعاتبتها في هذا السياق هو “لزوم ما لا يلزم”، لأنها ضعيفة لا تستطيع مواجهة الضغوط الأميركية والعربية، وبعضها غير مقتنع أصلًا بقتال إسرائيل، بل تحالف معها ولا يزال، إما مباشرة أو مواربة، عبر تأييد مواقفها ضد المقاومة.
لكننا نذكرهم بأن مقاومتهم الدبلوماسية هي التي وقّعت “اتفاق القاهرة”، وجعلت من جنوب لبنان قاعدة عسكرية فلسطينية منذ الستينيات حتى اجتياح عام 1982، ودفع الجنوبيون الثمن ولا يزالون. رحل الفلسطينيون عام 1982، وبقي الشيعة، يقاتلون مع بعض الوطنيين من الأحزاب اليسارية والطوائف طوال 18 عامًا، حتى حرّروا الأرض. ولم تستطع المقاومة الدبلوماسية تنفيذ القرار 425!
يتكاثر فرار “أولاد القصعة” من “بوسطة المقاومة”، التي كانوا من ركابها الدائمين وقت جمع “العسل”، ويتجرأ “أولاد الأفاعي” على طائفة بأكملها، ويتصرفون وكأنها “أرملة” تستجدي الشفقة. فيطالبونها بتسليم سلاحها مقابل القبول بها “لاجئة” في العمل السياسي، ولفتح الطريق أمام التكفيريين لتكرار مجازر الساحل العلوي، والتأسيس لمجازر “التلال الشيعية” في بعلبك والهرمل!
إن عزل طائفة المقاومة قرار غبي، أحمق، وخطير. وبالاستفادة من تجارب الماضي، التي عاشها الشيعة في لبنان بلا سلاح – كونهم آخر طائفة تسلّحت في لبنان – وبعد كارثة تجربة تسليم السلاح في الساحل السوري العلوي، وتجارب تسليم السلاح عبر التاريخ، يصبح من الضروري عدم تسليمه، بل زيادة مخزونه.
وإذا استمر البعض في غبائه، عمالته، أو خوفه، بعد أن أعطته المقاومة كل ما تملك، وصنعت منه رقمًا في لبنان، وعطّلت المؤسسات أكثر من مرة لتفرضه، وضحّت بلبنان من أجله، ثم انقلب عليها وطالبها بتسليم سلاحها، واعتماد الدبلوماسية التي أطاحت بترشيحه للرئاسة… فعليه أن يدرك أن طائفة المقاومة تتحمل جزءًا من مسؤولية حصارها والتجرؤ عليها وعزلها، لأنها عندما كانت تمتلك القوة، حاولت فرض رأيها، مما فتح أبواب “الثأر” ضدها. وأخطأت عندما تعاملت مع ضعاف النفوس، “أولاد القصعة”، الذين تخلّوا عنها وقت الشدائد، ولم تتحالف مع الرجال والأوفياء.
