“التكفيريون”… والمهمات الأميركية المقدّسة!

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
فرضت أميركا الجماعات التكفيرية لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، عسكريًا ودينيًا وسياسيًا، وتمت ترقية أمراء التكفير إلى رتبة “رئيس جمهورية” وسلطة حاكمة في سوريا، بعد تصنيفهم جماعات إرهابية!
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
إن الجماعات التكفيرية المعاصرة هي صناعة أميركية، بعد تغذية الجذور التاريخية للإسلام التكفيري الذي أسّسه “ابن تيمية” وبعض الفقهاء الذين تشدّدوا في مسألة التكفير داخل الإسلام تحت عنوان “حماية التوحيد”، والذي نسفوه بتجسيم الذات الإلهية، فوصفوا الله سبحانه وتعالى بصفات مادية كوجود اليد المحسوسة والحركة نزولًا وصعودًا إلى السماء، مما ألغى شروط التوحيد والتنزيه. ورغم ذلك، نصبوا أنفسهم قضاةً بالنيابة عن الله، يصدرون أحكام الإيمان والتكفير بحق المسلمين.
استفادت أميركا من إحياء الفكر التكفيري وإعادة تصنيعه بما يخدم مصالحها، فجعلته أحد ألوية جيشها واعتمدته كقوة لحروبها البديلة، فيما يمكن وصفه بـ”المارينز التكفيري” المجوقل، الذي تنقله من أفغانستان إلى العراق، ثم إلى ليبيا وسوريا، مع محاولات لنقله إلى لبنان، حيث نجحت في استثماره لتحقيق مصالحها. ولا تزال هذه الجماعات التكفيرية تتوسع، فاتحةً فروعًا جديدة في أفريقيا والعالم العربي، مع احتمالية انتقالها إلى آسيا الوسطى لمواجهة روسيا في لحظة قد لا تتأخر كثيرًا.
الأهداف الأميركية من استثمار الجماعات التكفيرية:
- تقليل الخسائر البشرية الأميركية من خلال الاستغناء عن الغزو المباشر واستبداله بإدارة حروب تكفيرية مثل “غزوة داعش” في العراق، و”غزوة النصرة” في سوريا، و”غزوة القاعدة” في أفغانستان.
- إشعال الصراعات الداخلية داخل كل دولة عبر استخدام عناصر تكفيرية محلية وأخرى أجنبية عند الحاجة، لتمزيق النسيج الاجتماعي والديني والقومي، وإحداث استنزاف يؤدي إلى التفكك والانتحار الجماعي.
- تحويل وجهة الصراع في العالمين العربي والإسلامي من مواجهة العدو الإسرائيلي الذي يحتل فلسطين والقدس، إلى صراعات طائفية وقومية داخلية.
- تفكيك الدول وتقسيم وحدتها الجغرافية والسياسية والديموغرافية، مما يسهل ولادة دويلات وإمارات طائفية وإثنية ضعيفة ومتقاتلة.
- مواجهة حركات المقاومة الإسلامية، السنية منها والشيعية، عبر استراتيجية التصادم المذهبي، بحيث يتم استنزاف الطرفين اللذين تصنفهما أميركا إرهابيين، رغم أن أحدهما يقاتل ضدها (حركات المقاومة)، والآخر يقاتل لخدمتها (الجماعات التكفيرية).
- تشويه صورة الإسلام الأصيل عبر إظهاره دينًا متوحشًا، يمارس الذبح والاغتصاب والسبي وإحراق الأحياء، وذلك لتهيئة العقول لقبول “الديانة الإبراهيمية” كبديل في الأجيال الشابة.
لقد أثبتت حروب التكفيريين أنها الأكثر دموية وخطورةً في تاريخ الأمة العربية والإسلامية، وأسهمت في تحقيق الأهداف الأميركية على مستويات متعددة، خصوصًا في ما يتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي وتفكيك الدول وإضعافها. فخلال عشر سنوات، حققت أميركا ما عجزت عنه طوال سبعة عقود، وهو ما يعادل تأثير الحرب العالمية الأولى واتفاقية “سايكس-بيكو” التي أعادت رسم حدود الدول وعددها وجغرافيتها.
يظن البعض، عن جهل أو سوء تقدير أو حقد أعمى، أن هدف التكفيريين محصور بالشيعة والعلويين والدروز، لكن الحقيقة أن أعداء التكفيريين هم كل من لا يؤمن بفكرهم، فالصوفيون كفار، وأهل السنة بمذاهبهم الأربعة مرتدّون أو كفار إن لم يؤمنوا بأمير التكفيريين وليًا للأمر، والمسيحيون مشركون كفار.
نجحت أميركا في نبش التاريخ وإعادة إحياء رموزه المتوحشة ومعاركه الدموية، بهدف القضاء على الإسلام والسيطرة على المنطقة. ولا يزال هناك وقتٌ متاح لوحدة المسلمين غير التكفيريين مع المسيحيين والعلمانيين لكبح التوحش التكفيري وإسقاط المشروع الأميركي.
إن مواجهة الفكر التكفيري لا تكون بالرصاص وحده، بل بالمقاومة الثقافية والفكرية والإعلامية والدينية، لكشف زيف العقيدة التكفيرية وانحرافها.
“التكفيريون”… أعداء الإسلام والمسيحية والإنسانية.
