الانتماء: جسر إلى الإنسانية، لا جدارٌ للانقسام

كاتبة وباحثة تربوية اجتماعية ومدربة حياة
الانتماء هو أحد أعمق مكونات الوجود الإنساني، فهو يشكّل هويتنا، ويربطنا بالآخرين، ويمنحنا الإحساس بالغاية. يمرّ كل إنسان بمراحل متعددة من الانتماء، تبدأ من الدائرة الأكثر حميمية—عائلته الصغيرة—ثم تتسع إلى الحيّ الذي يعيش فيه، فالمدينة، فالوطن، ثم إلى مجتمعات أوسع تحددها العقيدة، الثقافة، الأيديولوجيا، أو حتى الاهتمامات الشخصية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لكن التعبير عن هذا الانتماء قد يؤدي أحيانًا إلى سوء فهم. ففي بعض المجتمعات، يُساء تفسير الاعتزاز بالهوية على أنه تعصّب أو إقصاء للآخر. وهذه المغالطة تنبع من عدم القدرة على التمييز بين الانتماء الصحي والانغلاق المتعصّب.
الفرق بين الانتماء والتعصّب
الاعتزاز بالجذور—سواء كانت وطنية، دينية، ثقافية، أو فكرية—حق أساسي من حقوق الإنسان. وتعزيز الهوية لا يعني أبدًا الانتقاص من هويات الآخرين، بل العكس، فالانتماء الحقيقي لا يكون على حساب التعايش المشترك، بل يكون دعامة له.
لكن الخطر يكمن حين يتحوّل الانتماء إلى انغلاقٍ على الذات، وحين يرى الإنسان هويته على أنها الأفضل ويرفض الآخر لمجرد اختلافه. هنا يصبح حب الوطن تعصّبًا قوميًّا، والإيمان يتحوّل إلى طائفية، والقناعات الفكرية تغدو دوغمائية متطرفة.
التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد التوازن بين الفخر بهويتنا واحترام هويات الآخرين. يجب أن نحتفي بتنوّعنا لا أن نجعله سلاحًا للفرقة. فالانتماء الحقيقي يحتضن الجميع، ولا يقصي أحدًا.
الإنسانية: الانتماء الأسمى
في جوهر كل انتماءاتنا، هناك انتماء أعمق وأكثر شمولًا: إنه انتماؤنا إلى الإنسانية. قبل أن نكون أبناء وطن أو أتباع دين أو حملة فكر سياسي، نحن أولًا وأخيرًا بشر. وهذه الحقيقة يجب أن تكون الأساس الذي تستند إليه كل انتماءاتنا الأخرى.
من يفتقر إلى الإنسانية، لا يمكن أن يكون وطنيًا حقيقيًا، ولا يمكن أن يكون مواطنًا عالميًا. فإذا جعلنا الإنسانية محور أفكارنا وأفعالنا، اقتربنا من جوهر الخير الإلهي. أما إذا سمحنا للتعصّب بأن يتحكّم في قلوبنا، فقد انفصلنا عن فطرتنا الإنسانية.
دعوة إلى إعادة التفكير
لبناء عالم أكثر سلامًا، علينا أن نعيد النظر في طريقة تفكيرنا تجاه الآخرين. يجب أن ندرك أن حقوقنا لا ينبغي أن تكون على حساب كرامة غيرنا، وأن معتقداتنا لا تبرر أبدًا التمييز أو الكراهية.
الانتماء يجب أن يكون جسرًا يربط بين البشر، لا جدارًا يعزلهم عن بعضهم البعض. عندما نضع إنسانيتنا أولًا، نصبح قادرين على خلق عالم تكون فيه الاختلافات مصدر غنى لا سببًا للفرقة. وحينها فقط، نقترب من جوهر الحق والخير، الذي يتجاوز كل الحدود والانقسامات.
