“ربيع تركي”… أم حزام أمان لأردوغان!

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
أشعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الشارع التركي بقراره اعتقال منافسه المحتمل في انتخابات رئاسة الجمهورية التي ستُجرى بعد ثلاث سنوات. ومع ذلك، لا يزال من المبكر الحديث عن إسقاط أردوغان، لأن المظاهرات والحراك الشعبي لم يبدأ بقرار من المعارضة، بل جاءت الأحداث كحرب استباقية شنّها أردوغان على معارضيه، في محاولة لحصد انتصاره في سوريا بشكل مباشر، دون تأخير.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لا يزال أردوغان أحد الركائز الرئيسية للمشروع الأميركي في المنطقة، والمرشد السياسي العام للإسلام السياسي “السنّي” بفرعيه: جماعة الإخوان المسلمين والجماعات التكفيرية المسلحة، التي استطاع إدارتها بديلاً عن السعودية، كما فعلت الأخيرة مع المجاهدين في أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي، بتمويل قطري وما ينهبه من سوريا، إضافةً إلى تجارة الابتزاز لأوروبا والمنظمات الدولية مقابل رعاية اللاجئين السوريين.
السؤال المطروح:
- هل انتهت مهمة أردوغان في تفتيت المنطقة، القضاء على محور المقاومة، وإنهاء القضية الفلسطينية؟
- هل قراره باعتقال المعارضين خطوة ذكية لتفعيل “حزام الأمان” في الانتخابات القادمة، بسبب استمرار حاجة المشروع الأميركي له لتثبيت التغييرات في الشرق الأوسط الجديد؟
- هل ارتكب أردوغان خطأً باستعجال حصاد انتصاره “الخيالي” في سوريا، مما دفعه إلى التعجيل بتصفية معارضيه، وهو ما قد ينقلب عليه؟
- ما هو موقف الولايات المتحدة من بقاء أردوغان على رأس الإسلام السياسي وكرسي “الخلافة العثمانية”؟
المؤشرات الأولى وردود الفعل الأميركية والأوروبية الباردة توحي برضا واشنطن وتوفير الغطاء السياسي لأردوغان، مما يشير إلى أنه يخوض حرباً استباقية ضد منافسيه وهو في ذروة قوته. وبما أن العالم الثالث محكوم بالقرار الأميركي، فإن أي حراك شعبي تركي لن يكون مؤثراً إلا إذا تأمنت أغلبية شعبية واسعة ضد أردوغان، وهذا يتطلب تحالف أربعة أطراف: السنّة، العلويين، الأكراد، والعلمانيين. غير أن هذا التحالف يبدو مستبعداً في ظل الانقسامات السياسية والطائفية الحالية.
يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل استغلال هذه التحركات الشعبية لابتزاز أردوغان وتطويعه، وكبح طموحاته في سوريا، وتذكيره بأن دوره يقتصر على كونه “كاسحة ألغام”، وليس مستثمراً لما يزرع، إذ يجب أن يُحصد المحصول في البيدر الأميركي-الإسرائيلي. فالتحالف الأميركي-الإسرائيلي لا يسمح ببقاء أي قوة عربية أو إسلامية مؤثرة في المنطقة، حتى لو كانت تلك الدولة عضواً في الناتو أو حليفاً استراتيجياً لإسرائيل، لأن واشنطن وتل أبيب تتعاملان مع الدول والجماعات والأفراد كأدوات مؤقتة لتحقيق مصالحهما، ثم يتم الاستغناء عنها عبر الانقلابات أو الاغتيالات.
إذا نجح أردوغان في تصفية المعارضة وتجديد شرعيته السياسية داخلياً، فإن الملف السوري سيصبح أكثر تعقيداً، وسيسعى إلى طرد العرب من سوريا، مع تعهده بالوصول إلى لبنان لاستكمال مهمته بإسقاط دول وحركات المقاومة. ويمتلك في لبنان أوراق قوة تتفوق على السعودية ودول الخليج، من خلال الجماعات التكفيرية على الحدود، والتنظيمات الإسلامية المتطرفة، والنازحين السوريين، وربما بعض الأطراف الفلسطينية، خاصة بعدما فرضت السعودية على “تيار المستقبل” تجميد نفسه ونفي قيادته السياسية.
المنطقة تعيش مخاضاً دموياً وعنيفاً قبل ولادة الشرق الأوسط الجديد وفق الرؤية الأميركية-الإسرائيلية، أو نجاح محور المقاومة في استعادة زمام المبادرة والحفاظ على هوية المنطقة السياسية والدينية، وإفشال مشروع “إسرائيل الكبرى” و”الديانة الإبراهيمية”.
لم تنتهِ الحرب بعد… وقد تستمر لعشر سنوات أخرى، بعدما مضى على اشتعالها نحو خمسة عشر عاماً، بهدف تفتيت المنطقة وإنهاء القضية الفلسطينية من بوابة “الربيع العربي”. التحالف الأميركي الدولي يواصل هجومه، ويعزز عناصر قوته، ولا يمكن مواجهته بأسلوب “المفرّق”، بل بتحشيد القوى والتنسيق بين جميع المتضررين، وهي نقطة الضعف الأبرز لدى جبهة المقاومة.
