الفوضى الأميركية … و”تهويد لبنان”

تستمرّ الحرب الأميركية في محاولة تغيير معالم الشرق الأوسط القديم و”تهويد” العالم العربي والإسلامي، باستثناء بعض الدول وحركات المقاومة التي تواجه هذا المشروع. أميركا تخوض معركتها عبر الجماعات التكفيرية المتطرفة، والانقسامات الطائفية، إلى جانب الجيش الإسرائيلي والتدخل المباشر عبر القواعد العسكرية، التي تتحكم بالقرار السياسي العربي، وتوظّف الأنظمة وثرواتها لتمويل حروبها المتنقلة.
ترى أميركا أن إنهاء القضية الفلسطينية ضرورة لتحقيق هيمنتها، إذ شكّلت هذه القضية محور الصراع في الشرق الأوسط على مدى سبعين عامًا، مما أضعف قدرتها على استغلال ثروات المنطقة والانخراط في معركتها ضد الصين. وتسعى واشنطن إلى فرض شراكتها على بكين عبر قطع “طريق الحرير” أو ابتزازها، لفرض واقع اقتصادي يخدم المصالح الأميركية.
بدأ مشروع “تهويد” المنطقة منذ توقيع اتفاقية “كامب ديفيد”، ليتبعها تطبيع تدريجي مع دول الخليج، ثم تفكيك العالم العربي من خلال “الربيع العربي” الدموي، الذي أدى إلى زعزعة الأنظمة في مصر وسوريا وليبيا وتونس، وتقسيم السودان، ووضع العراق تحت الهيمنة الأميركية من خلال الانقسامات العرقية والطائفية.
ورغم محاولات أميركا فرض سيطرتها، استطاعت إيران، وحركات المقاومة، وسوريا، عرقلة هذا المشروع، وإلحاق خسائر استراتيجية به على مدى ثلاثين عامًا. غير أن الأحداث الأخيرة، خاصة معركتي “طوفان الأقصى” و”طريق القدس”، وضعت المنطقة أمام قرارات مصيرية، حيث تسعى أميركا لإطفاء جذوة القضية الفلسطينية، وشطب حلّ الدولتين، وتفكيك السلطة الفلسطينية، وصولًا إلى تهجير أهل غزة وفرض “نكبة ثانية” عليهم.
تستغل أميركا الانقسامات الدينية والتاريخية، فتوظّف الصراع السني-الشيعي، وتعيد إحياء الخلافات من خلال الإعلام والدراما، كما في فيلم “معاوية”، الذي يرفع شعار “دمشق أموية”، بهدف إشعال الفتن الدينية. وتسعى واشنطن إلى القضاء على حركات المقاومة، التي يغلب عليها الطابع الشيعي، باستثناء المقاومة الفلسطينية في غزة، التي تجد نفسها محاصرة بين حاجتها للدعم وبين الاعتبارات المذهبية الإقليمية.
ومع تحقيقها لبعض النجاحات، تعتقد أميركا أن ما تبقى من حركات المقاومة يمكن إسقاطه عبر الحروب الإسرائيلية-الأميركية، والحروب المذهبية التي تعيد رسم التوازنات الديموغرافية وتحاصر المقاومة وجمهورها. الأخطر من ذلك، أن العقاب لم يعد يقتصر على المقاومين، بل أصبح يطال البيئة الحاضنة لهم، حيث يكفي أن يكون المرء منتمياً لطائفة المقاومة ليصبح مستهدفًا من التحالف الأميركي-الإسرائيلي-التكفيري.
في لبنان، تسارع أميركا خطواتها بعد صمود المقاومة في حرب الـ66 يومًا، فتزيد الحصار السياسي والاقتصادي، وتستغل التصريحات الداخلية التي تؤكد أن لبنان سيكون “آخر دولة توقّع اتفاق سلام مع إسرائيل”. ومع توقيع غالبية الدول العربية اتفاقات التطبيع، قد تلجأ واشنطن إلى إشعال فتنة مذهبية، تحشّد فيها “السنّة” المتعددي الجنسيات ضد “الشيعة اللبنانيين”.
لذلك، على القيادات الشيعية المسارعة إلى فتح قنوات التواصل مع القيادات السنية واللبنانية عامة، لمنع وقوع فتنة ستصيب الجميع، ولن يكون أي طرف بمنأى عن تداعياتها، خاصة أن الهدف النهائي هو فرض التوطين والتطبيع وإضعاف مكوّنات المجتمع اللبناني كافة.
ورغم كل هذه التحديات، لن تستسلم المقاومة وأهلها، ولن تتمكن أميركا من إسقاط لبنان. الأيام القادمة ستكون صعبة وطويلة، لكن خيار الشرفاء الوحيد هو الصمود والقتال، رغم إدراكهم لصعوبة ودموية المعركة القادمة. فقد أصبح لبنان، سياسيًا وطائفيًا، تحت النفوذ الأميركي، ولم يبقَ منه إلا قلة من الوطنيين المقاومين، الذين يدركون أن عليهم مواجهة إسرائيل وأميركا، إلى جانب بعض اللبنانيين الذين يبررون العدوان الإسرائيلي ويحملون المقاومة مسؤولية الدمار، كما حدث عام 1982.
الحرب لم تنتهِ… والرهان على الصمود والمواجهة العاقلة.
