انقطاع الكهرباء في البقاع الغربي: أزمة التقنين بين الحاجة للإنماء والواقع المرير

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
يشهد البقاع الغربي أزمة كهربائية خانقة نتيجة التقنين القاسي الذي فرضته مؤسسة كهرباء لبنان، وسط شحّ في المياه أدى إلى انخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية من معامل نهر الليطاني. ومع اعتماد المنطقة بشكل شبه كامل على الإنتاج الحراري، ازدادت معاناة الأهالي، مما يضعهم أمام معادلة صعبة بين ضرورة الإنماء واستمرار حرمانهم من أبسط مقومات الحياة، خصوصًا بعد العدوان الإسرائيلي الأخير الذي لم يوفر المنطقة من ضرباته الغاشمة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لم يكن البقاع الغربي بمنأى عن العدوان الإسرائيلي الأخير، إذ نالت هذه المنطقة حصتها من القصف والاستهدافات المتكررة، فضلًا عن الخروقات المستمرة التي تهدد أمنها واستقرارها. ومع ذلك، ورغم ما عانته المنطقة من دمار وخسائر، ها هي الدولة اليوم، بدلًا من تسريع جهود إعادة الإعمار وتعزيز البنية التحتية، تماطل في تنفيذ مشاريع الإنماء، بل وتضيف إلى معاناة الأهالي عبر تقنين الكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة.
●التقنين القاسي: بين التبرير والمعاناة
في بيانها الأخير، أوضحت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أن أزمة التقنين ناتجة عن انخفاض مستوى المياه، مما أثّر بشكل مباشر على إنتاج المعامل الكهرومائية، الأمر الذي دفعها إلى التواصل مع وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان للبحث عن حلول تحدّ من تداعيات هذه الأزمة. غير أن الحلول المطروحة حتى الآن لا تزال تدور في إطار التخدير المؤقت، فيما تبقى الحاجة إلى حل جذري يتناسب مع متطلبات التنمية المتوازنة التي يفترض أن تشمل هذه المناطق المحرومة تاريخيًا.
●إنماء غير متوازن: غياب المؤسسات والاقتصاد المستدام
لطالما عانت مناطق البقاع الغربي من الإهمال الإنمائي مقارنة بالمناطق الأخرى، حيث تفتقر إلى بنى تحتية متينة، ومؤسسات تربوية قادرة على استقطاب الكفاءات، وفرص اقتصادية تضمن استقرار العائلات والشباب. وفي حين تتحدث الدولة عن “الإنماء المتوازن”، يبقى الواقع في هذه المناطق أقرب إلى “التقنين المتوازن”، حيث يتم فرض الحرمان بطريقة متساوية على القطاعات كافة، بدلًا من تحقيق عدالة تنموية تساهم في استقرار السكان وتعزيز الإنتاج المحلي.
●الحل ليس فقط بإدارة الأزمة، بل بتغيير النهج
قد يكون الاجتماع المرتقب بين المصلحة الوطنية لنهر الليطاني ومؤسسة كهرباء لبنان ووزارة الطاقة خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يبقى حلًا ترقيعيًا ما لم يتم وضع رؤية واضحة لمستقبل الكهرباء في هذه المناطق. المطلوب ليس مجرد تقليص ساعات التقنين، بل ضمان استدامة الكهرباء من خلال تعزيز مصادر الطاقة البديلة، والحد من الهدر، ورفع التعديات، وإشراك المجتمع المحلي في حلول تضمن استمرار الإنتاج وتحقيق التنمية.
●خلاصة: حقّ البقاع الغربي في التنمية لا يُجزّأ
إن حقّ البقاع الغربي في الكهرباء لا ينفصل عن حقّه في الإنماء والتعليم والاقتصاد المستدام. لا يمكن بناء مؤسسات تربوية فاعلة ولا اقتصاد منتج في ظل غياب الكهرباء، التي أصبحت اليوم عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وعليه، لا بد من مقاربة جديدة لا تعتمد فقط على توزيع النقص، بل على إيجاد حلول عملية تُخرج هذه المناطق من دائرة الحرمان المزمن إلى رحاب التنمية الحقيقية، خصوصًا وأنها كانت من أولى المناطق التي دفعت ثمن العدوان الإسرائيلي الغاشم، ولا يجوز أن تكون أيضًا ضحية الإهمال الرسمي والتقنين الجائر.
وبهذا، سعينا إلى تقديم قراءة علمية وموضوعية للواقع، بعيدًا عن الخطاب الشعبوي، مع التأكيد على أحقية، بل ضرورة، الاعتصامات الشعبية السلمية لأهالي المنطقة.
