حكومة نزع السلاح وتبرئة الاحتلال؟

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
تستمر الحكومة اللبنانية، بشخص رئيسها، في تصعيد الحرب والحصار على المقاومة، عبر إعلان سقوط ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” واعتبارها جزءًا من الماضي. ويتزامن ذلك مع تصريح وزير الخارجية المنتمي إلى القوات اللبنانية، الذي حمّل المقاومة مسؤولية القصف والإجتياح الإسرائيلي، وما تبعه من دمار للبنان وسقوط 25,000 قتيل وجريح، زاعمًا أنها لم تلتزم بوقف إطلاق النار، ومبرّئًا العدو الإسرائيلي من جرائمه.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أعلن رئيس الحكومة سقوط ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” قبل انسحاب الاحتلال، كما هدّد بعدم إعادة إعمار البيوت التي دمّرها العدو، إلا بعد تسليم السلاح، في خطوة ترقى إلى مستوى العقاب الجماعي لأهل المقاومة. لكنه لم يوضح إن كان هذا السقوط يشمل الجيش والشعب والوطن والحرية والاستقلال، أم أنه يقتصر على المقاومة فقط، تمهيدًا لتأسيس ثلاثية جديدة: “أميركا – إسرائيل – دولة مطيعة لأميركا”.
حقائق تاريخية وتحديات الواقع
نقول للحكومة ومن يقف خلفها: لسنا هواة حرب، ولم نختر القتال، بل فرض علينا دفاعًا عن أنفسنا وتحرير أرضنا، بعدما عجزت الدولة عن حمايتنا، بل وظلمتنا ومعنا العرب باتفاق القاهرة، الذي حوّل الجنوب إلى ساحة عسكرية للمنظمات الفلسطينية، وجعلنا نعيش بين اجتياحات إسرائيلية واضطهاد الفصائل المسلحة.
عقودٌ من الاجتياحات والتهجير والقتل والقصف منذ احتلال فلسطين، لم تحمِنا خلالها أي جهة. وعندما حملنا السلاح، لم يكن ذلك رغبة في الحرب، بل كضرورة لحماية أرضنا وأهلنا، بعد 40 عامًا من الدمار والتخاذل الدولي والعربي.
أما حكومة نزع السلاح، التي لا تملك فن التفاوض لحماية لبنان، فنجد أنفسنا مضطرين لمساعدتها وحفظ كرامتها، لأنها مسلوبة القرار، تنفذ ما يُملى عليها، وتعمل كناقل رسائل بين واشنطن وعواصم عربية.
لذلك، نطلب من هذه الحكومة أن تطرح على أميركا الأسئلة التالية:
- ما هو الثمن المطلوب لنزع السلاح، الذي لا يمكن التخلي عنه مجانًا؟
- ما هي الضمانات الحقيقية لحماية لبنان ومنع العدو الإسرائيلي من الاعتداء عليه؟
- ماذا لو سلّمنا السلاح ولم تفِ أميركا بوعودها، ولم تلتزم إسرائيل بالقرارات الدولية، وتحولت الحكومة اللبنانية إلى نسخة عن السلطة الفلسطينية؟
- هل الجيش اللبناني قادرٌ على ردع العدو، رغم قلة العتاد والعديد، ورغم القيود السياسية التي تمنعه من القتال؟
تسليم السلاح.. بأي مقابل؟
الحكومة تنطق بلسان الأعداء، متجاوزة أدنى شروط التفاوض، إذ تعلن وجوب نزع السلاح دون طرح أثمان أو بدائل، وتغمض عينها عن الأسباب التي دفعت إلى حمل السلاح، فلا تعد بتحرير الأرض، ولا بحماية لبنان وثرواته. وربما ستبرر اجتياحًا إسرائيليًا جديدًا بذريعة أن أهل الجنوب “معادون للسامية”، أو لأنهم يقرأون آيات من القرآن تتحدث عن العداء التاريخي لليهود!
نحن أهل المقاومة جاهزون للنقاش حول السلاح، والبحث عن بدائل مضمونة لحماية لبنان، خاصة جنوبه، شعبًا وجيشًا ودولة. لكن التجربة أثبتت فشل المقاومة الدبلوماسية في:
- فتح الطريق أمام الجيش للوصول إلى مراكزه، أو منع طرده منها متى شاء العدو.
- منع الاغتيالات والغارات الإسرائيلية رغم وقف إطلاق النار.
- تنفيذ القرار 425، الذي لم يتحقق إلا بفضل المقاومة المسلحة، بعد انتظار 22 عامًا.
الحكومة اللبنانية، التي تخضع للضغوط الأميركية والعربية، تبدو وكأنها تعيش مراهقة سياسية، فتتحدث بحزم عن موت المقاومة، وكأنها صاحبة قرار مستقل.
المقاومة المدنية.. قبل فوات الأوان
لن يتم تسليم السلاح إلا عند وجود بديل آمن وموثوق. وعلى قوى المقاومة أن تباشر فورًا في التحرك المدني، من خلال:
- تنظيم المظاهرات والاعتصامات الشعبية.
- استخدام الوسائل القانونية والإعلامية للدفاع عن حقوق أهل المقاومة.
- رفض ربط إعادة الإعمار بالتطبيع أو نزع السلاح.
الصمت عن التصريحات الحكومية والأميركية والإسرائيلية يشجعهم على اتخاذ قرارات رسمية. وإذا كان القرار بعدم الرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية حتى الآن قرارًا حكيمًا، فإن الصمت عن محاولات نزع السلاح ومنع الإعمار، دون تحرك سياسي وشعبي، يعدّ تقصيرًا غير مبرر، قد يلحق الضرر بالمقاومة وأهلها.
لا تسليم للسلاح بلا تأمين بديل آمن. ومن يغامر بمحاولة نزعه بالقوة، سيجد أن أهل المقاومة قادرون على انتزاع القرار من يده، وإسقاطه عن كرسيه، مهما كان الثمن.
