المواقف السياسية : بين الواقعية والتماهي مع العـ.ـدو

رئيس التحرير| كاتب وباحث سياسي
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في عالم السياسة، لا مجال للمثالية الكاملة، إذ تبقى المصالح هي البوصلة التي توجّه مواقف الدول والأحزاب والقوى الفاعلة. غير أن هناك حدًا فاصلاً بين الواقعية السياسية التي تفرض نفسها أحيانًا وبين القفز فوق الثوابت الوطنية والأخلاقية، بحيث يتحوّل الموقف السياسي من “اجتهاد مشروع” إلى “تماهٍ خطير” مع العدو، حتى لو كان هذا العدو هو ذاته الذي يقتل أبناء الوطن ويدمر مستقبله.
البراغماتية أم التجرّد من الهوية؟
يتذرّع البعض بأن السياسة هي فنّ الممكن، وأن العمل السياسي يفرض أحيانًا اتخاذ مواقف قد تكون قاسية أو غير متوقعة، لكن السؤال الجوهري: هل يمكن تبرير المواقف التي لا تراعي أي إحساس وطني أو شعور شعبي بحجة الواقعية؟ وهل من المقبول أن يصل التباين السياسي الداخلي إلى درجة يصبح فيها خطاب بعض القوى السياسية متماهياً مع خطاب العدو، إن لم يكن مطابقًا له؟
الواقع يشير إلى أن بعض القوى السياسية تلجأ إلى مواقف متطرفة في معارضتها لخصومها، فتتجاهل قضايا وطنية حساسة، بل قد تتخذ مواقف تخدم العدو بشكل مباشر أو غير مباشر. هنا، يصبح الخطاب السياسي فاقدًا لأي بعد وطني، ويُنظر إليه وكأنه يعبر عن أجندات خارجية، لا عن إرادة وطنية حقيقية.
من الخلاف السياسي إلى التهديد الوجودي
في ظل الأزمات الكبرى التي تواجهها الدول، يصبح توحيد الجبهة الداخلية ضرورة وطنية لا خيارًا. غير أن بعض الأطراف السياسية بدلاً من أن تتبنّى مواقف تراعي حساسية المرحلة وتدعم الاستقرار الداخلي، تذهب إلى خيارات تزيد من الانقسامات، بل تبرر أفعال العدو بشكل غير مباشر.
في كثير من الأحيان، تُستخدم عناوين مثل “السيادة” و”الحياد” لتبرير مواقف تخدم العدو أكثر مما تخدم الوطن، حيث يتم تصوير كل من يواجه العدو على أنه مغامر أو عميل لقوى خارجية، بينما يتم الترويج لمواقف استسلامية على أنها “عقلانية” و”حكمة سياسية”.
تداعيات التماهي مع العدو
لا يمكن لمثل هذه الاستراتيجيات أن تمرّ دون تداعيات كارثية، وأبرزها:
- تفكك النسيج الوطني: عندما يصبح الخطاب الداخلي أكثر حدة من خطاب العدو نفسه، يترسّخ الانقسام الداخلي ويضعف مفهوم الوحدة الوطنية.
- إضعاف القدرة على المواجهة: عندما تُصبح بعض القوى المحلية مجرد صدى لمواقف العدو، فإنها تؤدي عمليًا إلى إضعاف قدرة المجتمع على المقاومة والدفاع عن نفسه.
- فقدان الثقة الشعبية: أي قوة سياسية تفقد إحساسها بمشاعر جمهورها، وتتعامل مع القضايا الوطنية بمنطق بارد منفصل عن الواقع، ستواجه عاجلًا أم آجلًا عزلة شعبية وفقدانًا للشرعية.
- إعادة صياغة الخطاب الوطني: عندما يتم الترويج لخطاب سياسي يشكك في القضايا الوطنية الكبرى، يتحوّل العدو من خطر خارجي إلى “طرف في المعادلة السياسية”، مما يعيد صياغة الخطاب العام بطريقة تخدم أجندته.
في الختام: الحاجة إلى ميثاق وطني
إن حماية الوطن لا تكون فقط عبر الحدود والسلاح، بل أيضًا عبر تحصين الخطاب السياسي من الانزلاق إلى مستويات تُهدد النسيج الوطني. المطلوب اليوم ليس إلغاء التعددية السياسية أو منع الاختلاف، بل وضع ضوابط وطنية تمنع أي خطاب سياسي من الوصول إلى حدّ التماهي مع مواقف العدو، خصوصًا عندما يكون هذا العدو هو ذاته الذي يقتل ويحتل ويدمّر.
السياسة مسؤولية، والمواقف السياسية ليست مجرد تصريحات إعلامية، بل هي أمانة وطنية يجب أن تُوزن بميزان المصلحة العليا، لا بميزان المصالح الآنية أو الحسابات الضيقة. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب تحفظ جيدًا من يقف مع الوطن ومن يساوم عليه.
