أميركا… وهندسة الشعوب في الشرق الأوسط

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
يستمرّ المشروع الأميركي-الصهيوني تحت عنوان “هندسة الشعوب“ وكياناتها، في إطار ولادة “الشرق الأوسط الجديد” الذي أعلنته كوندوليزا رايس عام 2006، وأسقطته المقاومة اللبنانية، ليعيد بنيامين نتنياهو إحياءه من بوابة “الربيع العربي” والردّ على “طوفان الأقصى”، حيث استطاع تحقيق نتائج ميدانية بارزة بعد توجيه ضربات قاسية إلى حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، إلى جانب الضربة الاستراتيجية لمحور المقاومة عبر إسقاط سوريا المقاومة واستبدالها بـ سوريا التكفيرية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تعتمد أميركا في مشروع “هندسة الشعوب” على الحروب الإسرائيلية المتنقلة، والفتن الطائفية، والحصار، وتفكيك الكتل الكبرى على مستوى الأمة العربية والإسلامية، عبر تثبيت شعار “الوطن أولًا” وفكّ الارتباط بالجماعة، ومنع وحدة الموقف. كما تهدف إلى تنفيذ عمليات تهجير ديموغرافي للأقليات والجماعات الإثنية داخل الدول أو بين الدول، وتجميعها ضمن مناطق جغرافية نقيّة مذهبيًا أو قوميًا، بما يؤدي إلى صناعة دويلات جديدة أو فيدراليات كنسخة متطورة عن “اتفاقية سايكس-بيكو“، وفق الآتي:
- الدولة الكردية التي تضمّ أكراد العراق وسوريا وتركيا وإيران، لجعلها قاعدة أميركية تعادي قوميًا الدول الأربع، ما يسمح لأميركا بإشغال هذه الدول عن مواجهة إسرائيل. كما يمكن تعميم تجربة إقليم كردستان في العراق، وتأسيس أقاليم مستقلة داخل الدول، بما يضمن لأميركا والأكراد شراكة في القرار السياسي والمالي للدول الأربع.
- الدولة الدرزية في مثلث الحدود المشتركة بين لبنان وسوريا وفلسطين، حيث تساعد التركيبة الديموغرافية للدروز في الدول الثلاث على إنشاء هذه الدولة، ما يضمن لإسرائيل مصالحها، ويحلّ الخلاف الجغرافي مع سوريا (الجولان والجنوب السوري) ولبنان (مزارع شبعا وكفرشوبا). وقد يتمّ تهجير دروز الجبل لصالح توسعة الغيتو المسيحي أو لصالح الجماعات التكفيرية.
- “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات عبر تهجير غزة كخطوة أولى في مشروع “هندسة الشعوب” والتغيير الديموغرافي. وفي حال نجاح هذا التهجير، ستليه عملية ترحيل الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن، مما يؤدي إلى إلغاء الهوية الفلسطينية، وإنهاء حلّ الدولتين، وإقفال ملف القضية الفلسطينية، بعد إنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي فعليًا، ولم يبقَ سوى حركات المقاومة المرهقة والمحاصرة.
- لبنان الصغير عبر إعادة تصغيره وفق المشروع الإسرائيلي التأسيسي، وفي ضوء رسائل ديفيد بن غوريون إلى مؤتمر الصلح في فرساي عام 1919، حيث طالب بأن تكون حدود إسرائيل حتى نهر الزهراني أو نهر الأولي صعودًا إلى جبل الشيخ، لضمان الموارد المائية لإسرائيل، وذلك قبل نشوء المقاومة في لبنان. كما تمّ في عهد الرئيس بشارة الخوري السعي إلى تهجير شيعة الجنوب إلى العراق ضمن المخططات السابقة.
يتقدّم المشروع الأميركي-الصهيوني بسرعة كبيرة وسط غياب الوعي العربي والإسلامي، بينما لا تدرك الدول المتآمرة على القضية الفلسطينية وحركات المقاومة أنها لن تكون بمأمن من تداعياته، سواء عبر تغيير النظام التركي بعد إنجاز مهامه الأميركية-الإسرائيلية، أو عبر فرض تجنيس العمال الأجانب في دول الخليج، مما يؤدي إلى سقوط الخليج تحت القبضة الأميركية شعوبًا وأنظمة وثروات.
المشكلة الحقيقية تكمن في أن ضحايا مشروع “هندسة الشعوب” وإعادة توزيعها على كيانات جديدة، ما زالوا منشغلين بالتفاصيل الجزئية والهامشية، كالصراعات الحدودية بين الدول العربية حتى لو كانت صحراوية، أو النزاعات حول التمثيل السياسي والانتخابات النيابية والبلدية، والتي تبقى في النهاية تحت السيطرة الأميركية.
لا بدّ من رفع مستوى المواجهة عبر التخطيط الاستراتيجي، وتوحيد الموقف، والانخراط في مقاومة شاملة غير مذهبية أو مناطقية أو طائفية على المستويين الوطني والقومي، بدل الانشغال بقضايا سطحية. ولا يزال الوقت متاحًا لإفشال المشروع الأميركي-الإسرائيلي، وحماية مستقبل الأقليات والشعوب، وتثبيت حدود الدول، ومنع تأسيس “إسرائيل الكبرى” واستحداث دويلات لحمايتها في المنطقة.
قد يستغرب البعض إمكانية تحقيق هذا المشروع، لكن الوقائع تُظهر نجاحه التدريجي، خاصة بعد إبادة غزة، وإسقاط سوريا، ومحاولة فرض التطبيع على لبنان، ومذابح العلويين في سوريا، وتزايد الأقاليم الكردية، والاحتماء الدرزي بإسرائيل من الجماعات التكفيرية، والفوضى القادمة في تركيا. كل هذه المؤشرات تؤكد أن المشروع يسير بخطى ثابتة ولا يمكن إسقاطه إلا عبر مقاومة شاملة على مستوى الأمة، بعيدًا عن استراتيجية الحرب “بالمفرّق” لقوى المقاومة.
