التكفيريون… والحرب على المسلمين السنّة!

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
يظنّ البعض أن الجماعات التكفيرية تكفّر الشيعة والدروز والعلويين والمسيحيين فقط، وأن المسلمين السنّة، من المذاهب الأربعة والجماعات الصوفية، بمأمن من سيوفها ورصاصها، وأن المذهب السنّي هو بمثابة “بطاقة أمان” على الحواجز العقائدية التي تنصبها هذه الجماعات في العالم الإسلامي.
إلا أن الحقيقة هي أن الجماعات التكفيرية لا تنتمي إلى مذاهب أهل السنّة الأربعة، بل تختلف معها عقائديًا إلى حدّ التناقض، وإن كانت تشترك معها في بعض الأمور غير الجوهرية، مثل بعض الأدبيات الدينية المتعلقة بالصحابة أو بعض الشخصيات الإسلامية.
تنهل عقيدة الجماعات التكفيرية من مصدرين بشريين: ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، اللذين يكفّران كل من يخالفهما الرأي، ويكفّران من لا يُكفّر من كفّره التكفيريون. وقد ألغت الوهابية، بعد انتصارها، المحاريب الأربعة في مكة المكرّمة، حيث كان أئمة المذاهب السنّية الأربعة يؤمّون الصلاة، وفرضت مذهبًا واحدًا هو المذهب الوهابي.
تعتبر الجماعات التكفيرية أن أهل السنّة من أتباع المذاهب الأربعة والجماعات الصوفية في دائرة الردّة، ويشكّون في عقيدتهم إن لم يكفّروا الشيعة والعلويين والدروز، كما تُحرّم هذه الجماعات أي تواصل أو تقارب معهم أو حتى الاعتراف بمذاهبهم، كما فعل الأزهر الشريف حينما أقرّ بمشروعية المذهب الشيعي.
لا يقتصر خطر الجماعات التكفيرية على الشيعة الذين تصفهم بـ”الرافضة”، أو العلويين والدروز الذين تعتبرهم “كفارًا”، أو المسيحيين الذين تتهمهم بـ”الشرك”، بل إن ساحة قتالهم الرئيسية هي العالم الإسلامي السنّي. ذلك أن الوهابية والحركات السلفية الجهادية التكفيرية تسعى إلى السيطرة، بالسيف والمال، على القرار الديني والسياسي لأهل السنّة، وتحاول محاصرة الأزهر الشريف كمرجعية عالمية للإسلام السنّي.
ملامح المنهج التكفيري:
- السيطرة بالقوة والمال: تعتمد الجماعات التكفيرية على السيف والمال لإخضاع أتباع المذاهب الأربعة وغيرهم من المسلمين، وإجبارهم على التحوّل إلى عقيدتها، التي تقوم على التجسيم المادي لله، كما قال ابن تيمية، وهو ما رفضه قضاة المذاهب الأربعة، فسجنوه في قلعة دمشق حتى وفاته. فقد كان يعتقد أن “يد الله فوق أيديهم” يدٌ مادية، لكنها لا تشبه أي شيء، كما نسب لله صفات الكيفية والمكان، متجاهلًا قول الله تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ”.
- الولاء المطلق للأمير: تمنح الجماعات التكفيرية “أميرها”، بغض النظر عن مستواه العلمي أو الأخلاقي، صلاحيات توازي صلاحيات الرسول الكريم (ص) أو الخلفاء الراشدين، فيصبح مصدرًا للتشريع، و”نبيًّا لعصره”، فيكفّر من يشاء، ويسبي من يشاء، ويعتبر ذلك تنفيذًا للحكم الإلهي وفق فهمه ومصالحه.
- ممارسات همجية باسم الإسلام: تتبنى الجماعات التكفيرية بعض أفعال وسلوكيات المسلمين الأوائل، ولكنها لا تلتزم بالسنّة النبوية، حيث تمثّل بالجثث، رغم أن النبي (ص) نهى عن ذلك، وأحرقت الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيًّا، وقتلت النساء والأطفال، وشقّت صدورهم، وذبحت المستسلمين، حتى لو نطقوا بالشهادتين، متهمة إياهم بأنهم “نُصيريون” أو “شيعة كفار”.
- التكفيريون يكفّرون بعضهم البعض: الجماعات التكفيرية لا تكتفي بتكفير الآخرين، بل تتقاتل فيما بينها، كما يحصل بين داعش وجبهة النصرة، حيث يقتل بعضهم بعضًا، ويسجنون بعضهم، وينهبون ممتلكات بعضهم باسم الغنائم، بمجرد أن يختلف “أمراء التكفير”.
المواجهة المطلوبة
لقد صمت كثيرون على مذابح العلويين، والاعتداء على الشيعة والمسيحيين ورموزهم المقدسة، ظنًّا منهم أنهم في مأمن، لكن التكفيريين لم يتأخروا في قتل واعتقال علماء أهل السنّة في سوريا والعراق، الذين رفضوا تكفير الشيعة ودعوا إلى التقارب معهم.
كما أن التكفيريين لن يتوقفوا عند حدّ؛ فبعد أن ينتهوا من معاركهم ضد العلويين والدروز والشيعة، سيوجهون حربهم إلى داخل المذاهب السنّية الأربعة، على مستوى العقيدة والأفراد، ليصبح العالم الإسلامي السنّي “إدلب الكبرى”.
فهل يستيقظ المسلمون، بمذاهبهم كافة، والمسيحيون بطوائفهم، والعلمانيون، لمواجهة هذا الفكر التكفيري؟ أم سيتركونه ليواصل قطع رؤوس كل من يخالفه الرأي، ولا يبايع أمراءه مجهولي الأصل والدين والفقه؟
إن الإسلام التكفيري لن يرفع سيفه ضد الاحتلال الإسرائيلي أو الأميركي، بل سيظل سيفًا في يد أميركا، يقاتل أعداءها بالنيابة، ويؤمّن مصالحها، تمهيدًا لولادة “الديانة الإبراهيمية”!
