الانقسام المُصنَّع: كيف تُستخدم وسائل الإعلام لتفتيت الوحدة العربية

كاتبة وباحثة تربوية اجتماعية ومدربة حياة
لعبة خطيرة
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لطالما كانت القضية الفلسطينية نبض الأمة العربية، نضالًا مشتركًا يتجاوز الحدود والسياسات. في كل عدوان على غزة، يتردد صدى التضامن من الرباط إلى بغداد، ومن عمّان إلى بيروت. لكن اليوم، هناك شيء خطير يحدث.
يتم التلاعب بالسرد الإعلامي بشكل دقيق ومدروس لخلق شرخ لم يكن موجودًا من قبل—شرخ بين الفلسطينيين والأردنيين من جهة، والعراقيين من جهة أخرى.
هذا ليس صدفة. هذا ليس عفويًا. بل هو مخطط مدروس لتفكيك الوحدة العربية في لحظة نحن فيها بأمسّ الحاجة إليها. وإذا لم ننتبه، فسوف نقع في الفخ.
دعم العراق لغزة: الحقيقة التي يريدون دفنها
خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، برزت دولة واحدة بموقفها القوي والداعم بلا تردد: العراق. من الحكومة إلى الشارع، كان الموقف العراقي واضحًا—فلسطين ليست وحدها. وكان أحد أبرز رموز هذا التضامن الدكتور محمد طاهر، الذي مثّل موقف العراق الصلب في المحافل الدولية ودافع عن غزة بصوت جريء لا يخشى أحدًا.
العراقيون تبرعوا، تظاهروا، وهتفوا لفلسطين رغم معاناتهم الداخلية. لكن بدلًا من إبراز هذا التضامن، تعمل بعض وسائل الإعلام على العكس تمامًا.
كيف تزرع وسائل الإعلام الفتنة؟
فكر في الأمر. متى كانت آخر مرة رأيت فيها عنوانًا صحفيًا يحتفي بالوحدة العربية؟ متى كانت آخر مرة شدّدت فيها الأخبار على تضحيات العراق من أجل فلسطين؟ لن ترى ذلك، لأنه لا يخدم أجندة المتحكمين بالإعلام.
بدلًا من ذلك، نرى:
• تلاعبًا بالمعلومات، حيث تُضخّم أحداث بسيطة لتبدو وكأنها خلافات عميقة.
• حملات على وسائل التواصل الاجتماعي تهدف إلى زرع الكراهية بين الشعوب العربية.
• تجاهلًا متعمدًا للحقائق التي تثبت أن العراق كان وما زال من أكبر الداعمين لفلسطين.
وبشكل مرعب، بدأت هذه الأكاذيب تجد طريقها إلى العقول، لتخلق انقسامات لم تكن موجودة من قبل.
من المستفيد من هذا الانقسام؟
اسأل نفسك: من الذي يستفيد عندما ينقسم العرب بدلًا من أن يتحدوا؟
• إسرائيل تستفيد عندما ينشغل العرب في صراعات داخلية بدلًا من التركيز على الاحتلال.
• القوى الغربية تستفيد عندما يكون العالم العربي ضعيفًا وعاجزًا عن مواجهة التدخلات الخارجية.
• الأنظمة الفاسدة تستفيد عندما تستطيع إلهاء شعوبها عن مشاكلها الحقيقية بجعلها تنظر إلى “العدو الخطأ”.
لكن نحن لا نستفيد. الشعب الفلسطيني لا يستفيد. العراقيون لا يستفيدون. الأردنيون لا يستفيدون. هذا ليس صراعًا بين شعوب، بل حرب إعلامية تهدف إلى تدمير وعينا.
كيف نكسر هذه الحلقة؟
1. فكّر قبل أن تردّ. عندما ترى منشورًا أو خبرًا يُثير غضبك ضد بلد عربي آخر، اسأل نفسك: من المستفيد من هذا؟
2. تحقق قبل أن تنشر. الأخبار المزيفة سلاح مدمر. لا تكن أنت من يساهم في نشرها.
3. واجه الأكاذيب. إذا سمعت أحدًا يردد هذه السرديات المفبركة، ناقشه بالحجج والحقائق.
4. روّج للوحدة. شارك القصص التي تعزز التضامن العربي بدلًا من تعزيز الانقسام.
5. لا تنسَ العدو الحقيقي. العدو ليس العراقيين، ولا الفلسطينيين، ولا الأردنيين. العدو هو الاحتلال، والاستعمار، وكل من يحاول تمزيق أوصال الأمة.
الخاتمة: اختر موقفك بحكمة
نحن اليوم أمام خيارين:
• إما أن نقع في الفخ ونسمح للإعلام أن يُحدد لنا من نحب ومن نكره.
• أو أن نرتقي بوعينا، ونرفض أن نكون أدوات في لعبة هدفها تدميرنا.
يريدون لنا أن نكره بعضنا، أن نشك في بعضنا، أن ننسى أن القضية الفلسطينية قضية عربية. لكننا لسنا بسطاء. لن نسمح لهم بإعادة كتابة واقعنا وتشويه الحقيقة.
في المرة القادمة التي ترى فيها خبرًا يشجع على كراهية دولة عربية أخرى، قف، فكّر، اسأل نفسك: من المستفيد؟ ثم بدلًا من أن تنجرف في الفتنة، اختر أن تكون جزءًا من الحل، لا من المشكلة.
