“يوم القدس”.. يلبس السواد ومثخن بالجراح

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
يحتفل المقاومون في العالم الإسلامي بالذكرى السادسة والأربعين ليوم القدس العالمي، الذي أعلنه الإمام الخميني في السابع من آب عام 1979، تأكيدًا على جعل القضية الفلسطينية قضية إسلامية جامعة، لا تقتصر على الفلسطينيين وحدهم، ولا تنحصر في إطار الصراع العربي-الإسرائيلي، بل تمتد إلى صراع إسلامي-إسرائيلي. كما شكل هذا الإعلان نقطة تحوّل في الموقف الإيراني، الذي انتقل من التحالف مع إسرائيل في عهد الشاه، إلى العداء لها في عهد الإمام الخميني، مع شراكة فاعلة في دعم حركات المقاومة والسعي لتحرير القدس.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
يحلّ يوم القدس هذا العام متشحًا بالسواد، مثخنًا بالجراح، تحاصره الأعداء ويطاردون حاملي رايته. يغيب عن منبر القدس أمينه العام “السيد الشهيد”، يرافقه أكثر من 25,000 شهيد وجريح في لبنان حتى الآن، فيما ارتقى في غزة 160,000 شهيد وجريح حتى اللحظة، إلى جانب قادة المقاومة العراقية، وعناصر الحرس الثوري، ومجاهدين من اليمن وسوريا، في واحدة من أكبر المجازر التي يتعرض لها محور المقاومة منذ أربعة عقود. والسبب؟ لأنهم لا يزالون متمسكين براية تحرير القدس، ورافضين للتطبيع مع العدو وصفقة القرن، في وقت رفعت فيه العديد من الدول العربية والإسلامية الرايات البيضاء استسلامًا، وسلّطت سيوفها على رقاب المقاومين الذين يكشفون عوراتهم.
يعود يوم القدس هذا العام مثقلًا بالألم، متوشحًا بالكفن، يجول بين أطلال غزة المدمرة وقُرى الجنوب اللبناني، يضع الورود على قبور الشهداء، فيما يستمر الجنوب في مقاومته للعدو، رغم اضطراره للنظر إلى الخلف خشية الطعنات من الأمة المستسلمة والمتآمرة والمطبّعة.
في الذكرى الـ46 ليوم القدس، القريبة من الذكرى الـ77 لاغتصاب فلسطين، يقف الكفاح المسلح الفلسطيني على مقصلة الإعدام، وسط مجزرة مستمرة منذ أكثر من عام في غزة. وفي ظلّ الجوع والعطش والحصار، خرجت مظاهرات، حركها بعض المتآمرين، تطالب بخروج المقاومة وتسليم سلاحها، فيما أعلنت “حماس” استعدادها للتنازل عن حكم غزة، ما قد يفتح الباب أمام فرض نزع سلاح المقاومة، ووضع القضية الفلسطينية عند مفترق طرق خطير، يهدد بإنهائها بالكامل، وتهجير سكان غزة، وإلغاء مشروع الدولة الفلسطينية، تمهيدًا لقيام “إسرائيل الكبرى”.
في لبنان، تحيي المقاومة يوم القدس وهي تلملم أشلاء شهدائها، بينما يواصل العدو ملاحقة مقاوميها واغتيالهم في سياراتهم المدنية، في ظل حصار خانق سياسي واقتصادي وأمني، يهدف إلى دفعها نحو الاستسلام. وفي سيناريو مشابه لما حدث في غزة، قد يسعى البعض إلى تحريك مظاهرات ضد المقاومة، وإن لم يكن ذلك متاحًا في البيئة الشيعية، فقد يتم افتعال مظاهرات أخرى، تضاف إلى أدوات الحصار المتعددة التي تهدف إلى خنق المقاومة وأهلها.
في سوريا، سقطت القضية الفلسطينية بأيدي التكفيريين والأتراك والإسرائيليين والأميركيين. لم يعد ليوم القدس حضور في دمشق، حيث تمّ نزع سلاح الفلسطينيين في مخيماتهم، وفرض الإقامة الجبرية السياسية والأمنية عليهم، ليُغلق بذلك أحد أهم الأبواب التي كانت تدعم القضية الفلسطينية.
اليوم، تحاصر القوى الكبرى كل من لا يزال متمسكًا بالمقاومة، في محاولة لإنهاء القضية الفلسطينية، وفرض تهويد المنطقة العربية بالكامل، بعد تهويد فلسطين، وصولًا إلى ولادة “إسرائيل الكبرى” وترسيخ “الديانة الإبراهيمية”. لكن، رغم قساوة الأوضاع وشدة الحصار، فإنّ النصر ليس مستحيلًا. المطلوب هو الصمود، الصبر، الحكمة، وعدم الوقوع في فخ الاستسلام. فالمعركة لم تنتهِ بعد، وإن لم نحقق النصر الآن، فإن استمرار المقاومة سيحفظ للأجيال القادمة حقها في استكمال الطريق. فالوعد الإلهي واضح: “إن الأرض يرثها عبادي الصالحون”.
