هنا الضاحية: بين المدى والردى..

نائب رئيس التحرير | كاتبة ومحررة أخبار
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
الزمان: الجمعة 28 آذار 2025.
المكان: الضاحية الجنوبية.
منذ ساعات الصباح الأولى، بدأ العدو الإسرائيلي شن غارات على عدة قرى جنوبية، وكان التصعيد يأخذ منحى يوحي بأن سقف التوقعات ليس محددًا وأن الهمجية قد تتمادى إلى ما ليس واردًا أو متوقعًا.
وعلى وقع الجرح النازف جنوبًا، إنتصف النهار، ولأول مرة منذ وقف إطلاق النار الذي لم تلتزم به البتة حكومة العدو نشر المتحدث باسم العدو أفيخاي أدرعي خارطة تهديد لمبنى في منطقة الجاموس في الضاحية الجنوبية.
لأول وهلة، كان لا بد من التأكد هل الخبر حقيقي أم مزيف؟
وفي أجزاء من الثانية عادت إلى الذاكرة كل تفاصيل الحرب…
نحن لم ننسَ، ولكننا ندعي نسيانًا يساعدنا على التعافي، والآن هذه الخريطة قضت على كل تراكمات التعافي، ومن أين البداية؟
من إبن في المدرسة؟ وآخر في الجامعة؟ من زوج في العمل؟ من أخ في محل؟ من جار؟ من صديق؟
وبدأ ذلك الهذيان التي يشلّ الفكر، أقله حتى تأمين الصغار..
الأخبار تتتالى، دقات القلب تتسارع، ورنين الهاتف لا يتوقف، والبدء مع تحليل خارطة الاستهداف: الجاموس، ديوان السيد، مدرسة الليسيه دي زار، مدرسة السان جورج، باحة عاشوراء وهنا انكشف المشهد عن فظاعة التهديد…في تلك النقطة الجغرافية مدرستان ومبان ومحال واكتظاظ….
وفي لحظة، انقلب المشهد في الضاحية الجنوبية: إغلاق مدارس، إطلاق رصاص، هرج ومرج، ازدحام سير، هروب، ولسان حال الأهل: نحضر أولادنا من المدارس ونبقى…وإلى أين أصلا نذهب؟ ونحن أبناء الجنوب والبقاع…
وطغت صرخات الصغار على أنين أمهات شهداء لم تبرد قلوبهن بعد، والطلاب اليوم لم ينتظروا قرع الجرس إيذانًا بانتهاء الدوام، فالعدو متربص بهم، بطفولتهم، بشبابهم، بأحلامهم..المغادرة كانت على توقيته، توقيت الكون المتخاذل المتفرج، توقيت الصمت الدولي المطبق، توقيت عدو متفلت من كل قيد، عدو همجي متوحش…
وازدحمت ممرات المدارس بالطلاب، والطرقات بالمواطنين، والقلوب بالوجع، والعقول بالأسئلة…
رحماك يا رب، غارة تحذيرية أولى، وثانية، الثالثة ثابتة؟ قوية جداً كانت، ولكنها ما زالت تحذيرية..يمر الوقت متثاقلًا بالانتظار والترقب، يصمت الجميع، صوت انطلاق الصواريخ ما زال في الذاكرة، تلفح الوجه تلك البرودة، صوت الطيران ينخفض، الوحش يقترب: دوي أول ودوي ثانٍ، ارتجت شوارع وأحياء الضاحية الجنوبية ، تعالى الصراخ، وبأنامل مرتجفة، صياغة خبر صحفي بأن الغارة شُنت…
امتد الطريق طويلًا نحو الجاموس، واستُحضرت كل السيناريوهات، هل غادر الجميع؟ ما الذي ينتظرنا؟ ركام أم أشلاء؟ في عيون الجميع كان هناك مزيج من كل التناقضات….
غضب، قهر، حزن، تحد، إرادة، صمود، خوف، اندفاع….
والعدو عدو، ما همه طلاب ولا صغار ولا صائمين ولا عجائز….
القهر كبير…..
المشهد موجع…
مبان لم يمض على إعادة ترميمها أسابيع تضررت من جديد…محال تجارية أعادت فتح أبوابها تحولت إلى ركام، مبان نجت في أيلول وتشرين وتربص بها آذار، فتهاوت وتدمرت وضاعت ملامحها….
هنا أم خرجت لتحضر طعام الإفطار، وحين عادت لم يكن قد بقي لها منزل، فالبناية سويت بالأرض…
هنا شابة عائدة من الجامعة، ولكن إلى اين تعود؟ المنزل هدم…
هنا خمسيني يقف على أطلال محله، ودموعه تغسل الغبار المنبثق من الدمار….
نحو مدرسة الـLycée Des Arts، الدمار كبير، الواجهات الزجاجية محطمة، المقاعد الدراسية استحالت قطع حديد متناثرة، ألعاب الصغار مكسوة ببقايا الجدران المتصدعة، على الأرض لوح متطاير، مكتوب عليه التاريخ، وفي الوسط كلمة جغرافيا، وفي السطر الأول: عرّف…….
لم تكمل على ما يبدو المعلمة كتابة الجملة، عاجلها وعاجل الطلاب تهديد العدو، وهذا العدو السافر يبيح لنفسه التاريخ والجغرافيا…
هنا الضاحية الجنوبية..
هنا الجاموس….
ركام ودمار، والمشهد ينطوي على فظاعة وهمجية…
فرق الإطفاء والإسعاف وصلت، والقوى الأمنية، لا إصابات في الأرواح، ولكن هناك ندوب…..
ويمر الوقت، أيضًا متثاقلًا، بطيئًا، ولكن التعافي في هذه الأرض سريع، بعد أقل من ساعة، أعادت المحال التجارية فتح أبوابها، وغصت الشوارع بالمارة، وأعاد بائعو الخضار عرض بسطاتهم، فأي سر هو في الضاحية؟
لملمت جراحها، عضت على جرحها، احتضنت خائفيها، وخذ يا رب حتى ترضى….
المئات باتوا بلا مأوى، التعاضد بأسمى أوجهه: هنا لبنان الحقيقي، أهالي الحدت فتحوا منازلهم وقلوبهم، ومناطق الضاحية الأخرى تداعت لدعم أبناء منطقة الجاموس…
وعادت الأنظار مجددًا إلى الجنوب: تجدد الغارات، والعدو وداعموه يطلقون التهديدات، والضاحية الجنوبية في مرمى العدو ولكنها أيضًا بعين رحمة الرحمن.
