فاطمة ياسين: فينيق الوطن

نائب رئيس التحرير | كاتبة ومحررة أخبار
طالت في هذا الوطن الليالي الظلماء، والدمع شلالات انسكاب من الأرض إلى السماء، وكيف لا، والمرتحلون غيابًا ما تلاشوا، باتوا أسماء، ولكنهم الشهداء، يُرزقون وهم أحياء، ولهم أمهات يقارعن العزاء بالدعاء…..
أجمل الأمهات مَن انتظرن الأبناء، فعادوا أشلاء، وعلى ركام الأمة الخرساء، علت قبضاتهن وصرخن: لبيك يا زهراء….
جنوبًا بقاعًا ضاحيةً منازل يمر العيد قربها ولا يدخلها حياءً، فعلى جدرانها استحال الأبناء صورًا، ووقف بهم العمر حيث كان درب عبورهم الأخير، إلى مليك مقتدر….
واليوم، أيقونة الأمهات هي الحاجة فاطمة نصر الله ياسين…..ومَن لا يعرف الحاجة فاطمة؟
تلك الأم القابضة على جمر الفقد، التي أتقنت إحياء ابنها الشهيد في داخلنا عبر كلماتها حتى صار محمد جزءًا من تفاصيلنا، وصار في ملامح أبنائنا…
الحاجة فاطمة التي ما قرأت ولا سمعت قط أمًّا مثلها، أم الشهيد، عادت وهي الحاضرة أصلًا في كل المشهدية…
والعودة كانت بالأمس القريب، من الضاحية الجنوبية، من الجاموس، والعدو الإسرائيلي الذي استطال على فاطمة فاغتال ابنها، ثم دمر منزلها في الجنوب، وإذ به بالأمس يحط بحقده وهمجيته على آخر معاقل ذكريات فاطمة، منزلها الذي فيه بضعة من زوجها الراحل، الحاج عباس وهو المحفور في وجداننا أديبًا وكاتبًا وشاعرًا وأب الشهيد، وفي هذا المنزل آخر ما بقي من ضحكات الشهيد محمد وعطره….
ولكن، مجددًا، أيقونة الأمهات، وقفت على ركام منزلها المدمر، وهي كما هي، تمتزج على ملامحها الضحكة لتواري الوجع، وتُبدع، وينحني أمام وجهها كل ما بقي من أعمارنا، ونرتحل إلى ما وراء عينيها، أي مدى هو هذا المترامي، أي إبحار هو لهذا الحزن، في أية لجة غرق حتى فاض ابتسامةً…..
وتُبدع الحاجة فاطمة، باكرًا قبل أن تنتهي من تحضير الإفطار، راح منزلها، تساقطت حجارته، ولكن في هذي الأرجاء خارطة التهديد تعيد الحاجة فاطمة رسمها، العدو حدد مبنى، واستهدفه بصاروخين، ولكن هي رسمت خارطة طريق الكرامة والعزة والافتخار: ” لو أخدوا كل بيوتنا، المهم راسنا مرفوع وكرامتنا محفوظة”….
وتتابع: “ما الحجارة أمام دماء الشهداء”….
فمن أنت يا سيدة الطهر؟
من رحى الدمار تنسجين الانتصار، ومن دماء الردى تكتبين الغار، ملهمة لأمة علها تستفيق لتعود إلى صواب الطريق…
حاجة فاطمة، الجلاد المرتعب الذي يفقأ عيون الصغار قبل أن تورق أحلامهم، والذي يبتر أقدام ويقطع أيادي الشباب، والذي يذبح وينحر ويقتل ويدمر، واللهِ أمام جبروت صبرك وصبر مثيلاتك يُهزم…..
وفي هذا العيد اليتيم أنت فينيق الوطن، موت صغيرك حياة، ودمار منزلك صرخة في الوعي، وكلماتك خنجر في محاجر المتخاذلين…
وفيك لن يكفي أي بوح فاعذري عجز أقلامنا،خابت على عتباتك العبارات، وأورقت من حكاياتك العبرات.
