سوريا ما بعد الأسد: صراع النفوذ، وإعادة بناء الدولة، وتحديات الانتقال السياسي
________________________________________
المقدمة:
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وصعود أحمد الشرع (الجولاني) إلى سدّة الحكم في دمشق، شكّل تحولًا جذريًا في الأزمة السورية، فاق بأبعاده العسكرية والسياسية ما شهده البلد منذ 2011. المرحلة الحالية لم تعد مجرد نزاع داخلي أو مواجهة بين نظام ومعارضة، بل أضحت ساحة صدام معقّدة بين مشاريع إقليمية ودولية كبرى، تشمل:
• الولايات المتحدة وأوروبا
• إسرائيل وتركيا
• إيران والسعودية
• روسيا كقوة ضامنة ومنافسة
تتزامن هذه التحولات مع ظهور مطالب متزايدة من المكونات السورية المُهمشة سياسيًا – الأكراد، الدروز، العلويين، القوميين – التي تسعى للحصول على دور فعّال في صياغة النظام الجديد، وسط مساعٍ دولية لإعادة رسم بنية الدولة، والجيش، والهوية، والموقع الجيوسياسي لسوريا في خارطة الإقليم.
هذا التغيير شكّل لحظة مفصلية في مسار الأزمة السورية التي طالت أكثر من عقد من الزمن، وفتح الباب أمام صراع إقليمي ودولي جديد على شكل الدولة السورية القادمة، من يحكمها، وكيف تُحكم.
تتناول هذه الدراسة التحولات الداخلية والخارجية المرتبطة بسوريا بعد الأسد، وتناقش بموضوعية، الأبعاد الجيوسياسية، والمقاربات الدولية، وإشكاليات إعادة بناء المؤسسات، وبخاصة الجيش والدولة المركزية، والتوازن الطائفي والسياسي، وطموحات مختلف المكونات السورية، في ظل المعطيات الجديدة. والهدف منها هو استعراض الواقع بحسب المعطيات الموثقة، وليس رسم خطط للمستقبل او التعبير عن الآراء الشخصية او الفكرية، التي سيكون لها مقالات اخرى وتوقيت آخر…
________________________________________
أولًا: المقاربات الدولية والإقليمية لسوريا الجديدة
1. المقاربة الأميركية: الهيمنة الناعمة دون الانخراط الكلي – “سوريا الضعيفة تحت السيطرة”
الأهداف:
• منع عودة الإرهاب.
• تحجيم نفوذ إيران.
• حماية أمن إسرائيل.
• إبقاء روسيا في حالة استنزاف حتى تنفيذ الاتفاقات معها في أوكرانيا.
• دعم الحلفاء المحليين، خصوصًا قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
• الحفاظ على وجود عسكري رمزي دون التورط الكامل.
الوسائل:
• تواجد عسكري محدود في الشرق السوري.
• تمويل مستقر لقسد.
• دعم سياسي لمشروع لا مركزي إداري لا يُحرج أنقرة.
• تقاطع مصالح مع السعودية، وحذر شديد من الجولاني.
2. المقاربة الأوروبية: الأمن والهجرة والاستقرار قبل النفوذ – “الاستقرار أولًا، ثم الشراكة”
أولويات أوروبا:
• عودة آمنة للاجئين السوريين.
• منع موجات الهجرة الجديدة.
• القضاء على بؤر التطرف.
• حماية الأقليات الدينية والعرقية.
• دعم الحل السياسي التوافقي.
السياسة الأوروبية تقوم على ثلاث مرتكزات:
1. رفض أي نظام متطرف أو عسكري جديد.
2. دعم المؤسسات المدنية من خلال أدوات ضغط مالية وسياسية
3. ربط إعادة الإعمار بالإصلاح السياسي الحقيقي.
التمايز الأوروبي:
• فرنسا وألمانيا الأقرب إلى واشنطن.
• دول المتوسط أكثر مرونة، تركّز على الأمن والهجرة.
• شمال أوروبا يهتم بالعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان.
3. المقاربة الإسرائيلية: التفكيك الهادئ والهيمنة الأمنية – “الخصم المجزّأ هو الخصم الآمن”
أهداف إسرائيل:
• تفتيت سوريا جيوسياسياً إلى كيانات ضعيفة.
• القضاء على أي نفوذ إيراني في الجنوب.
• الحفاظ على “الهدوء في الجولان والأراضي المجاورة التي احتلتها بعد سقوط الأسد”.
• تهيئة بيئة سورية غير معادية لها مستقبلًا.
• منع إعادة بناء جيش عقائدي أو مقاوم.
وسائلها:
• ضربات عسكرية دقيقة على الأهداف الإيرانية.
• تواصل غير مباشر مع بعض المكونات المحلية.
• التأثير على القرار الأميركي فيما يخص المساعدات أو إعادة الإعمار.
4. المقاربة الروسية: تقليص الخسائر واستثمار النفوذ
أهداف روسيا:
• ضمان بقاء نفوذها في الساحل.
• الحفاظ على قاعدتي حميميم وطرطوس.
• المشاركة في أي تسوية سياسية كطرف لا غنى عنه.
• تقليص الدور التركي في إدلب.
موقفها من الجولاني:
• لا تعارضه مبدئيًا.
• تراقب تحركاته، وتفاوض على حدود نفوذه.
5. المقاربة الإيرانية: الدفاع عن محور المقاومة مهما كلّف الأمر – “محاولة الحفاظ على محور المقاومة”
أهداف إيران:
• الحفاظ على خطوط الإمداد لحزب الله.
• إبقاء نفوذها ومستعدة لبعض التنازلات الشكلية.
• رفض تسليم سورية بالكامل الى الخليج وتركيا.
• استخدام الملف السوري كورقة في التفاوض النووي.
• التفاوض مع الحكومة السورية الجديدة لمحاولة إيجاد أرضية مشتركة.
وسائلها:
• الميليشيات أو ما تبقى منها (فاطميون، زينبيون، الحرس الثوري، حزب الله).
• التغلغل الاجتماعي والديني.
• دعم بعض الحلفاء من النظام الأمني السابق.
• دبلوماسية المواجهة للحفاظ على بعض النفوذ.
6. المقاربة التركية: ضبط الكرد واحتواء التغيير – “منع الفيدرالية الكردية بأي ثمن”
أهداف تركيا:
• منع أي شكل من أشكال الفيدرالية الكردية.
• رفض أي نفوذ سعودي في الشمال.
• تثبيت فصائلها المسلحة في الشمال، ودمجها في أي ترتيب عسكري جديد.
• مواجهة الجولاني إن انفتح بشكل واسع على الخليج.
• استخدام إدلب وعفرين كأوراق تفاوضية.
• عدم القدرة على تحمل تبعات اعادة الاعمار او تشغيل الدولة منفردة بينها وبين قطر.
7. المقاربة السعودية: مشروع سوريا وطنية عربية متوازنة – “استعادة سوريا إلى الحاضنة العربية”
أولويات الرياض:
• إعادة بناء جيش سوري وطني، لا عقائدي ولا فصائلي.
• دعم حكومة مدنية في دمشق.
• استمالة الدروز والعلويين والقوميين والانفتاح على الأكراد.
• تمويل مشاريع الإعمار في الجنوب والوسط.
• تحجيم نفوذ تركيا وإيران.
استراتيجيتها:
• “الاحتواء المرن” لأحمد الشرع.
• التفاهم مع أميركا وأوروبا على تسوية سياسية مشتركة.
• التواصل مع العشائر شرق الفرات لدعم النفوذ في البادية ودير الزور.
________________________________________
ثانيًا: الوضع الداخلي – التحديات البنيوية في الحكم والتمثيل
1. الحكومة الانتقالية الجديدة: تنوّع ظاهري وغياب التوازن الحقيقي
أعلن أحمد الشرع في مارس 2025 عن تشكيل حكومة انتقالية من 23 وزيرًا، في محاولة لإبراز صورة عن انفتاح سياسي. لكن رغم إدراج شخصيات من الأقليات (علويون، دروز، مسيحيون) وتكنوقراط مستقلين، إلا أن التشكيلة عانت من اختلالات بنيوية خطيرة:
• غياب تام للتمثيل الكردي المتمثل بقسد رغم ثقلهم السياسي والعسكري.
• سيطرة هيئة تحرير الشام على المناصب السيادية (دفاع، أمن، خارجية) والكثير من الوزارات الأخرى.
• تمثيل رمزي للأقليات بلا صلاحيات فعلية.
• تغييب كامل للقوى القومية والعلمانية.
• تركيز السلطة بيد الرئيس، مع إلغاء منصب رئيس الوزراء.
هذه المعطيات أعادت إنتاج الهيمنة الفردية وإن بصيغة جديدة، ما أثار الشكوك حول مدى التزام السلطة الجديدة بمبدأ المشاركة الوطنية الفعلية.
________________________________________
2. توجّس سُنّة المدن الكبرى من طابع الحكم الديني
رغم أن أحمد الشرع ينتمي للطائفة السنية، فإن قطاعات واسعة من سكان دمشق، وحلب، وحمص، وحماة تُبدي مخاوف عميقة من انزلاق النظام نحو “أسلمة” متشددة تُفرض على المجتمع.
المدن الكبرى في سوريا، بعراقتها المدنية وتقاليدها الاجتماعية المتنوعة، تخشى من:
• فرض نمط حياتي متشدد (زيّ، اختلاط، فنون…).
• قوننة الشريعة على حساب القوانين المدنية.
• التضييق على الحريات الفردية والاقتصادية.
• عسكرة الحياة العامة باسم الدين.
هذا الرفض لا يصدر عن موقف طائفي، بل عن رغبة حقيقية في قيام دولة مدنية تعددية، تحترم الخصوصيات المحلية وتضمن حيادية الدولة عن الصراعات المذهبية.
________________________________________
ثالثًا: التحولات الداخلية ومطالب المكونات السورية
الأكراد:
• يطالبون بحكم ذاتي فعلي.
• يقبلون بـ”لا مركزية موسعة”.
• يرفضون الخضوع للجولاني أو تركيا.
• يرفضون حكم إسلامي أو عروبي.
• متحالفون مع واشنطن، ومنفتحون على بعض الدول العربية.
الدروز:
• يطالبون بإدارة محلية تحترم خصوصيتهم.
• يرفضون الإسلام السياسي والتكفيري.
• منفتحون على السعودية ومصر.
• يتمتعون بتوازن نادر بين الاستقلال والحياد.
العلويون:
• فقدوا الأسد، لكنهم متمسكون بالمكانة والدور.
• يريدون ضمانات أمنية ودستورية.
• بعضهم منفتح على القومية المدنية.
• يحظون باهتمام سعودي متزايد.
الحزب القومي وبعض القوى العلمانية:
• يخرج تدريجيًا من عباءة البعث.
• يمكن أن يلعب دورًا علمانيًا وطنيًا ومرشح ليكون قاعدة توازن وطني في المرحلة القادمة.
• يُعيد ترتيب أوراقه بحثًا عن شراكة في الحكم لا في المحاور.
• مهمش حتى الآن، وغير موحّد الرؤية والتنظيم والخطط.
• يطالب بإعادة الاعتبار للحياة السياسية والمؤسساتية.
________________________________________
رابعًا: موقع الجولاني – أحمد الشرع
• من قائد جهادي إلى سياسي واقعي. هناك شكوك في مدى قدرته على التحرر من الخلفية السلفية ومن الفصائل التكفيرية الحليفة، وخاصة الاجانب منهم.
• يسعى لنيل الشرعية الخليجية والدولية.
• يطرح نفسه كزعيم وطني إسلامي معتدل.
• يثير قلق إسرائيل وتركيا، وتحفّظ أوروبا، ومراقبة أميركا.
سيناريوهات مستقبله:
1. احتواء مشروط (شراكة محدودة) يعتمد على قدرته على تلبية الشروط الدولية.
2. إخراج من السلطة (عبر تفاهم دولي) خاصة في ظل هيمنة التنظيمات الأصولية.
3. انقلاب داخلي أو عسكري ضده.
________________________________________
خامسًا: مستقبل الجيش السوري
الطرف: رؤيته للجيش
السعودية: جيش وطني محترف بعيد عن الأيديولوجيا
تركيا: دمج فصائلها في المؤسسة العسكرية
إيران: الحفاظ على الميليشيات
أميركا: جيش متوازن، غير طائفي، لا عقائدي
أوروبا: شرط إعادة الإعمار هو الاصلاح وبناء جيش وطني يراعي حقوق الإنسان (لا أيديولوجي ولا اسلامي متطرف)
________________________________________
سادسًا: السيناريوهات السياسية الممكنة
السيناريو، محتواه، الموقف الدولي منه:
1- حكومة انتقالية مدنية، بدعم أممي وشراكة واسعة، تدعمه أوروبا وأميركا والخليج
2- لا مركزية إدارية، إدارات محلية قوية، مع مركز ضعيف، مقبول كرديًا، خليجيًا، ومتحفّظ عليه تركيًا
3- حكم فصائلي بواجهة مدنية، بقيادة الجولاني وحلفائه، مرفوض دوليًا، ومهدد بالانفجار
4- تقسيم فعلي غير معلن، تفتيت البلاد كأمر واقع دون اعلان التقسيم، مدعوم إسرائيليا، مرفوض عربيا وإقليميا، وموقف دولي ضبابي
5- العودة للنظام المركزي، غير واقعي بعد سقوط الأسد، لا أحد يدعمه فعليًا
________________________________________
سابعًا: خريطة النفوذ المتوقع
المنطقة = القوة المؤثرة
————————-
• الشمال الغربي (إدلب – عفرين) = تركيا
• الشرق والشمال الشرقي (قسد – دير الزور) = أميركا والأكراد
• الجنوب (السويداء – درعا) = السعودية – الأردن – القوى المحلية والقوميين، مع محاولات اسرائيلية لمد نفوذها حتى التنف والبوكمال، بما بات يعرف بمشروع ممر داوود.
• الساحل = روسيا – العلويون – القوميون
دمشق والوسط محور الصراع الرئيسي = السعودية تسعى للسيطرة
________________________________________
ثامنًا: مفاتيح الاستقرار السوري القادم
1. جيش وطني محترف غير مؤدلج.
2. دستور مدني يضمن حقوق كل الأطراف.
3. شراكة حقيقية في إدارة الدولة بين الأقليات والأغلبية.
4. خروج الميليشيات المسلحة من الحياة السياسية.
5. إعادة إعمار مشروطة بالإصلاح الحقيقي.
6. دعم عربي وأوروبي موحد للانتقال السياسي.
________________________________________
الخاتمة:
سوريا تقف على أعتاب تحوّل تاريخي…
فإما أن تُبنى كدولة جامعة، عصرية، عادلة…
وإما أن تظل ساحة لتوازنات الآخرين، وقواعد متقدمة لحروبهم، تبقي البلاد عرضة للتفجير، وتعيد انتاج الاستبداد باسم مختلف.
وما بين المشروع الوطني السوري…
والمشاريع المفروضة من الخارج…
يبقى القرار الأخير بيد السوريين، إن تمكّنوا من استعادته.
