تقاعس وزارة الخارجية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية

رئيس التحرير| كاتب وباحث سياسي
تُعدّ وزارة الخارجية لأي دولة الواجهة الدبلوماسية التي تتولى الدفاع عن سيادتها في المحافل الدولية، وتحرّك القنوات الدبلوماسية لكسب التأييد الدولي في القضايا الوطنية. وفي لبنان، الذي يواجه تصعيدًا إسرائيليًا مستمرًا، يُفترض أن تلعب وزارة الخارجية دورًا محوريًا في فضح الاعتداءات الإسرائيلية، ورفع الصوت في المنابر الدولية لإدانة الانتهاكات المتكررة. لكن المفارقة اليوم أن هذا الدور يكاد يكون غائبًا تمامًا، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى موقف رسمي صلب يدافع عن حقه في مواجهة العدوان.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
غياب وزير الخارجية وتواطؤ الصمت
منذ بدء التصعيد الإسرائيلي الأخير على الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان، غابت وزارة الخارجية اللبنانية عن المشهد، ولم يصدر عنها أي بيان استنكار أو تحرك دبلوماسي واضح لإدانة هذه الاعتداءات. هذا الغياب يطرح تساؤلات عديدة، خاصة أن أي هجوم على أرض دولة ذات سيادة يستوجب تحركًا دبلوماسيًا فوريًا، سواء عبر استدعاء سفراء الدول الكبرى، أو تقديم شكاوى رسمية إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، أو عقد لقاءات مع ممثلي المجتمع الدولي لحشد الدعم للبنان.
لكن ما يبدو جليًا هو أن الوزير الحالي يتعامل مع موقعه من منطلق حزبي ضيّق، متماهيًا مع الموقف السياسي لحزب القوات اللبنانية، الذي يتبنّى مقاربة تعتبر أن أي عدوان إسرائيلي يستهدف حزب الله هو أمر مبرَّر أو حتى مطلوب. هذه المقاربة الخطيرة تتجاوز الحسابات السياسية الداخلية، وتصل إلى حد التغاضي عن انتهاك سيادة لبنان، وكأن الدولة بكل مؤسساتها باتت عاجزة أو غير معنية بالدفاع عن الوطن إذا كان المستهدف هو حزب الله.
ضرورة تحييد الدبلوماسية عن الحسابات الحزبية
لا يمكن القبول بأن يصبح الموقف الرسمي اللبناني رهينة الانقسامات السياسية الداخلية. فالدبلوماسية يجب أن تكون صوت الدولة بأسرها، وليس انعكاسًا لموقف فريق سياسي دون غيره. وإن كانت بعض الأطراف في الداخل اللبناني تختلف مع حزب الله، فإن ذلك لا يبرر الصمت عن جرائم إسرائيل بحق المدنيين اللبنانيين والبنية التحتية للبلاد. فالاعتداءات الإسرائيلية لا تستهدف فصيلًا سياسيًا فقط، بل تضرب الأمن الوطني والاستقرار الداخلي، وهو ما يستوجب ردًا رسميًا يليق بدولة ذات سيادة.
ما الذي يجب أن تفعله وزارة الخارجية؟
إذا كانت الدولة اللبنانية جادّة في حماية سيادتها، فعلى وزارة الخارجية أن تتحرك على عدة مستويات:
- إعداد ملف قانوني متكامل حول الاعتداءات الإسرائيلية وتقديمه إلى مجلس الأمن الدولي، مع توثيق كل الجرائم بحق المدنيين اللبنانيين والممتلكات.
- استدعاء سفراء الدول الكبرى وإيصال رسالة واضحة بأن استمرار الصمت الدولي يعني التواطؤ مع الاحتلال.
- تفعيل دور السفارات اللبنانية حول العالم لنقل حقيقة ما يجري في لبنان إلى الرأي العام الدولي، وكسر الرواية الإسرائيلية التي تبرّر العدوان.
- التنسيق مع الدول الصديقة، وخاصة تلك التي تتبنى مواقف داعمة للبنان، للضغط باتجاه إصدار إدانات دولية واضحة ضد الاعتداءات الإسرائيلية.
بين الصمت الرسمي والواجب الوطني
إن استمرار غياب وزارة الخارجية عن لعب دورها في فضح العدوان الإسرائيلي لا يُفسَّر إلا بكونه إما تقاعسًا غير مبرَّر، أو تواطؤًا سياسيًا يخدم أجندات معينة. وفي كلتا الحالتين، فإن الخاسر الأكبر هو لبنان، الذي يصبح أكثر عزلة دبلوماسية، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى كل دعم ممكن لمنع إسرائيل من استباحة أرضها دون أي ردّ.
لبنان اليوم بحاجة إلى دبلوماسية وطنية، لا إلى مواقف حزبية تخدم مصالح ضيقة على حساب سيادة البلاد. فهل يتحرّك وزير الخارجية لأداء دوره الوطني، أم سيبقى صامتًا على حساب أمن واستقرار لبنان؟
