منع الحجاب في تلفزيون لبنان: اختبار حقيقي لحرية المعتقدات

كاتبة وباحثة سياسية / محررة اخبار
في وطن يُفاخر بتعدديته وحرياته العامة، برزت قضية الإعلامية زينب ياسين كمثال صارخ على التناقض بين الخطاب الرسمي والتطبيق الفعلي للحريات الفردية. لقد أثارت استقالتها من “تلفزيون لبنان” جدلًا واسعًا، وتحولت قصتها لقضية رأي عام بالمجمل ولقضية كلّ محجبة بشكل خاص، إذ كشفت عن سياسة إقصائية تجاه النساء المحجبات، اللاتي يُواجهن تمييزًا تحت ذرائع واهية مثل “إثارة البلبلة”. فما الذي يعنيه منع امرأة من الظهور الإعلامي بسبب ارتدائها الحجاب في بلد يُفترض أنه يحمي حرية المعتقد والتعبير؟ وهل أصبح الحجاب حاجزًا أمام التقدّم المهني؟
تسلسل زمني للأحداث: مسار من التهميش إلى الإقصاء
بدأت فصول هذه القصة في كانون الأول 2023، حين تم تغييب زينب ياسين تدريجيًا عن التغطيات الإعلامية بحجة “غياب الميزانية”، وهي حجة لم تُستخدم مع زملائها الآخرين. استمر الوضع حتى أيار 2024، حيث طُلب منها إجراء مقابلة لكن دون الظهور في الكادر بسبب ارتدائها الحجاب، كما أبلغتها إحدى المديرات بعبارة واضحة: “ما تبيني بالكادر منشان الحجاب”.
في 17 أيلول 2024، بعد شهور من الإقصاء، قررت ياسين اتخاذ موقف أكثر جرأة، فرفعت استقالتها إلى وزير الإعلام آنذاك زياد المكاري، مشيرة إلى التمييز الذي تتعرض له. لكن الاستقالة رُفضت، مما أجبرها على مواصلة العمل في ظروف غير عادلة. اللافت أن الإدارة عادت واستدعتها لتغطية الأحداث الميدانية خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، غير آبهة بحجابها طالما كان وجودها ضرورة مهنية عند خط النار.
مع انتهاء الحرب، طلبت زينب نقلها رسميًا إلى قسم المراسلين، لكن الرد جاء صادمًا: “ظهور محجبة على الهواء قد يُحدث بلبلة”، مع الإشارة إلى حالات سابقة لموظفات محجبات تم منعهن من الظهور الإعلامي. ورغم أنها واجهتهم بحقيقة أنها ظهرت سابقًا بحجابها خلال الحرب ولم يُحدث ذلك أي “بلبلة”، جاءها الرد الجاهز: “للأسف، هيدا بلدنا هيك”.
عندها، وجدت ياسين نفسها أمام سؤال وجودي: “لماذا أبقى في هذا المكان؟ لا راتب جيد، ولا تقدير، ولا حتى احترام. فما الجدوى؟”، وقررت إنهاء مسيرتها في تلفزيون يُقصي المرأة المحجبة كميلاته من الوسائل الاعلامية فقط لأنها اختارت أن تعبر عن هويتها بشكل مختلف.
الحجاب ليس حاجزًا أمام النجاح
تتكرر هذه الحوادث في بيئات مهنية متعددة، حيث يُنظر إلى الحجاب وكأنه عائق أمام الكفاءة أو عثرة في طريق “الحياد الإعلامي”. لكن هل الحجاب يمنع المرأة من الإبداع، من الأداء المتميز، من تقديم صورة مهنية مشرّفة؟ الجواب قطعًا لا. لقد أثبتت النساء المحجبات في جميع أنحاء العالم أنهن قادرات على الوصول إلى أعلى المناصب، سواء في الإعلام، أو في الطب، أو في السياسة، أو في العلوم.
زينب ياسين ليست مجرد مراسلة غُيبت بسبب قطعة قماش على رأسها، بل هي امرأة شجاعة قاومت الإقصاء وحافظت على كرامتها المهنية. هي نموذج يُثبت أن اللباس لا يحد من القدرات، وأن الكفاءة لا تُقاس بالمظهر بل بالقدرة على تقديم الحقيقة للجمهور بمهنية والتزام.
وجهة النظر الرسمية: التبرير باسم العرف
في تعليق رسمي، صرّحت الإعلامية ندى صليبا، مساعدة المدير العام في “تلفزيون لبنان”، بأن المؤسسة لا تعتمد رموزًا دينية في ظهور إعلامييها على الشاشة، معتبرة أن هذا “التقليد” مستمر منذ عقود. لكن، هل يمكن اعتبار سياسة داخلية وُضعت قبل عشرات السنين مبررًا كافيًا لاستبعاد النساء المحجبات من الحضور الإعلامي؟ هل يعكس ذلك الحياد أم أنه تمييز مُقنّع؟
التناقض مع المبادئ الدستورية والبيان الوزاري
يؤكد الدستور اللبناني على حماية الحريات العامة، بما فيها حرية المعتقد، كما أن خطاب القَسَم لرئيس الجمهورية جوزاف عون تضمن التزامًا صريحًا بحماية “قدسية الحريات الفردية والجماعية”. أما البيان الوزاري لحكومة نواف سلام، فقد شدد على ضرورة “تكريس المساواة بين النساء والرجال في الحياة العامة وإزالة العوائق التي تحول دون مشاركتهن الفعالة”.
إذًا، كيف يمكن تفسير هذا التناقض بين التصريحات والممارسات؟ كيف يُمكن لبلد يحتفي بتنوعه الطائفي أن يفرض قيودًا على النساء المحجبات بسبب خيار شخصي يندرج ضمن حرياتهن الفردية؟
التداعيات القانونية والاجتماعية: هل الحريات انتقائية؟
هذه القضية ليست مجرد حادثة فردية، بل تعكس نمطًا من السياسات التمييزية التي تُمارس بشكل غير معلن ضد النساء المحجبات في بعض المؤسسات العامة والخاصة. يمنح الدستور اللبناني جميع المواطنين الحقوق نفسها، لكن التطبيق على أرض الواقع يُظهر أن بعض الحريات تُمنح للبعض وتُحجب عن البعض الآخر.
التمييز القائم على المظهر والمعتقد ليس مجرد قضية إدارية تخص مؤسسة إعلامية، بل هو إشكالية مجتمعية تتطلب معالجة شاملة، تبدأ من تغيير العقليات وصولًا إلى تعديل القوانين بحيث تضمن حقوق جميع المواطنين على قدم المساواة.
دور وزير الإعلام: اختبار للمبادئ
في ظل هذا الجدل، يقع على عاتق وزير الإعلام بول مرقص مسؤولية اتخاذ موقف حاسم. كونه رجل قانون، يُتوقع منه أن يدافع عن مبادئ الدستور وحقوق الإنسان، لا أن يكتفي بمراقبة ما يحدث من بعيد. فهل سيقوم بتصحيح هذا المسار الخاطئ؟ هل سيتم إلغاء هذه السياسات التمييزية داخل الإعلام الرسمي؟ أم أن حرية المرأة ستبقى رهينة اجتهادات إدارية متعسفة؟
معركة من أجل الحرية والمساواة
تكشف قضية زينب ياسين أن الحريات في لبنان ليست مكفولة للجميع بنفس الدرجة، وأن الحجاب لا يزال يثير مخاوف غير مبررة في بعض الأوساط. إن الدفاع عن حق المرأة المحجبة في العمل ليس مجرد قضية فردية، بل هو معركة مجتمعية تهم كل من يؤمن بالمساواة والعدالة. يبقى السؤال الأهم: هل سيتم تصحيح هذا الخلل، أم ستظل هذه القضية مجرد حلقة جديدة في مسلسل طويل من الانتهاكات الصامتة؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
