تركيا… تحطّم معادلات توازن القوى المذهبية والقومية!

أنجزت تركيا أبرز مراحل المشروع الأميركي لتقسيم المنطقة، والسيطرة عليها، وضرب القومية العربية، وتوجيه ضربات قاسية للإسلام التحرّري، من خلال سيطرتها على سوريا، وإدارة “الربيع العربي” بذراع جماعة “الإخوان المسلمين”. وقد كان انتصارها الكبير – وإن مؤقتًا – بإسقاط النظام السوري سياسيًا، فبدل أن يعود “لواء الإسكندرون” إلى الدولة السورية، أُلحقت سوريا باللواء!
إن التوسّع التركي، سياسيًا وجغرافيًا ودينيًا، ألحق خسائر كبيرة بعدد من الأطراف، في مقدمتهم السعودية وإيران، وبات يشكّل خطرًا وجوديًا على العراق ولبنان والأردن ومصر وليبيا في المرحلة الأولى، وقد يتطور لاحقًا ليشكل خطرًا غير مباشر على أوروبا، في حال قررت الولايات المتحدة إقلاق القارة العجوز والضغط عليها من البوابة التركية، باستخدام ورقة المتطرفين الإسلاميين.
تحاول السعودية جاهدة ملء الفراغ الذي خلّفه تراجع النظام السوري والانسحاب الإيراني الطارئ من الساحة السورية، لكن تصريح الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، خلال استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، نسف الطموحات السعودية، عندما اعتبر أن على أردوغان – بصفته من أسقط النظام – أن يتقاسم سوريا مع إسرائيل، من دون أي ذكر للدول العربية، حتى تلك التي موّلت الجماعات التكفيرية وتحالفت مع تركيا، وفي مقدمتها قطر، التي اختُزل دورها إلى مصرف يمول العمليات التركية والتكفيرية.
في أيام الخلافة العثمانية، تمّ محو الهوية العربية كقومية وأمة، وإعدام كل من طالب بالاستقلال أو عبّر عن هويته. واليوم، بعد مئة عام من سقوط الخلافة في الحرب العالمية الأولى، تعود تركيا لبسط سيطرتها، ولكن كمقاول ينفّذ الأجندة الأميركية، خلافًا للسيطرة السابقة التي كانت لحسابها الخاص.
لقد كسرت تركيا التوازن الاستراتيجي الذي كان يحكم المنطقة بين إيران، السعودية، تركيا، إسرائيل، وأقطاب العالم (أميركا وروسيا)، وانتهت الجولة الأولى من المواجهات لصالح التحالف الأميركي–الإسرائيلي–التركي، فيما خرجت السعودية ودول الخليج بنصر وهمي.
ويبقى السؤال الذي يطرق أبواب العواصم:
هل ستستكمل تركيا هجومها على السعودية وتعيد تكرار ما فعلته في الماضي مع آل سعود، عندما أعدمت عبدالله بن سعود أمام كنيسة “آيا صوفيا”، وعلّقته على خازوق، كُتب عليه “تركيا فوق الجميع”؟
هل ستعيد تحريك الإخوان المسلمين في مصر لاستعادة الحكم وتأمين حلّ لغزة وتثبيت وجودها في أفريقيا بعد تثبيت نفوذها في مصر وليبيا؟
وهل ستتحرك، بتكليف أميركي، داخل إيران وروسيا، عبر القوميات التركية في جمهوريات آسيا الوسطى؟
قد لا يتأخر الجواب كثيرًا، وسيتبلور بعد “هضم الطريدة السورية” وتثبيت النفوذ التركي في سوريا، مع تحييد العراق أو إشغاله داخليًا، للانطلاق نحو إيران وروسيا ومصر والسعودية.
يمكن القول إن ما كان يُعرف بـ”الأمة العربية” قد تفكّك، وبقيت منه أشلاء متناثرة تتقاتل على البقاء، فيما يتقدّم المشروع التركي – الإسرائيلي – الأميركي لتكريس زعامة جديدة.
ماذا يبقى من العرب بعد إسقاط سوريا، وإنهاء القضية الفلسطينية، وتهجير غزة، والفوضى في ليبيا، وتقسيم السودان واليمن، وتحويل الخليج إلى “فروع مصرفية”، وإن نُزع سلاح المقاومة في لبنان – التي تشكّل آخر خميرة للفكر المقاوم في الأمة؟
وماذا يبقى من الإسلام، إذا استُبدلت مذاهبه بالإسلام التكفيري، تمهيدًا لفرض ما يُسمى “الديانة الإبراهيمية”؟
يظن بعض العرب واللبنانيين – وكذلك بعض ما تبقى من المسيحيين والمذاهب السنية – أن الخسارة أصابت فقط محور المقاومة، وأنهم ناجون ورابحون. لكن الحقيقة أن الجميع انهزموا مرحليًا، والمنتصر الوحيد هو المشروع الأميركي وأدواته التركية والإسرائيلية، ومن لم يُصبه الرصاص بعد، سيصيبه لاحقًا، لأن أميركا وإسرائيل لا تؤمنان بالشراكة، بل تستعملان حلفاءهما أدوات تنفيذ مؤقتة تنتهي صلاحيتها بانتهاء المهام.
آن الأوان لتتكاتف القوى الخاسرة والمهدَّدة، وتعيد التنسيق فيما بينها لحماية ما تبقى من الأمة ومصالحها وتاريخها، وإلا فإننا أمام استعمار جديد قد يمتد مئة عام…
ولا يزال الوقت متاحًا لتقليل الخسائر، وربما لصناعة انتصار.
