قبل أن تُسلّم وجهك أو تُبوح بألمك… اسأل نفسك: لمن أُعطي ثقتي؟/ د. دانية الزين
في زمن تتسارع فيه الدورات التدريبية وتنتشر عبر المنصات ومواقع التواصل، بات من السهل أن يحمل البعض لقب “مستشار نفسي” أو “خبير تجميل” أو حتى “مختص تربوي” بعد أيام معدودة من التدريب، دون تأهيل علمي أو خبرة حقيقية.
لكن هل يدرك هؤلاء حجم الأمانة التي يحملونها؟ وهل نعي كأفراد خطورة تسليم أنفسنا وأجسادنا، بل ومستقبل أولادنا، لمن لم يُعدّوا إعداداً حقيقياً؟
في مجال الصحة النفسية والإرشاد الأسري، الكلمات ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل قد تكون طوق نجاة أو خنجر طعنة.
نصيحة واحدة غير مدروسة قادرة على تفكيك أسرة أو تعميق ألم شخص يكافح بصمت.
لقد شهدت، خلال سنوات عملي كمديرة مدرسة ومستشارة أسرية، كيف تسببت تدخلات عشوائية ونصائح بلا أساس علمي في إرباك حياة أفراد ودفعهم نحو هاوية نفسية كان يمكن تفاديها.
الإرشاد ليس رأياً شخصياً يُلقى دون تبعات، ولا تجربة ذاتية تُعمّم على الآخرين.
إنه علم دقيق، يتطلب فهماً عميقاً للنفس البشرية، واستيعاباً لتشابك العلاقات الإنسانية، وتدريباً مستمراً على الإصغاء والتحليل والتوجيه المسؤول.
وكما هو الحال في الصحة النفسية والتجميل، فإن غياب الاختصاص أيضاً يهدد مستقبل أطفالنا.
فقد أصبح البعض يُصدر تقارير عن صعوبات تعلم أو فرط حركة بمجرد النظر إلى الطفل لبضع دقائق، دون إجراء التقييمات التربوية والنفسية المتخصصة التي تتطلب ساعات من الملاحظة الدقيقة والاختبارات المعتمدة.
هذه التشخيصات السريعة لا تؤدي فقط إلى إرباك الأهل، بل قد تلحق بالطفل وصمة تؤثر على ثقته بنفسه ومسيرته التعليمية والاجتماعية.
أما في عالم التجميل، فالمسألة ليست أقل حساسية.
إبرة خاطئة، يد غير خبيرة، أو استخدام مواد غير مرخصة، قد يحول الجمال المنشود إلى تشوّه دائم، ويفتح أبواب الألم النفسي والندم العميق.
التجميل ليس مجرد تحسين للمظهر، بل هو قرار يُلامس الثقة بالنفس والرضا الداخلي. والمخيف أن بعض الأفراد باتوا يتقبلون فكرة أن يكونوا حقل تجارب في أيدي هواة، دون وعي حقيقي بعواقب هذا التهاون.
الدورات التدريبية مهمة، نعم، لكنها لا تُغني عن التأهيل الحقيقي.
فالمهارة لا تعني الاختصاص، والتجربة لا تغني عن الدراسة العميقة.
الفرق بين من يملك أساساً علمياً ومن يردد ما تعلّمه في ورشة قصيرة، هو ما يحدد إن كنا نبني حياة صحية ومتزنة… أو نُسهم، دون قصد، في تدميرها.
نحن اليوم أمام مسؤولية جماعية.
علينا أن نرفع الوعي المجتمعي بأهمية اللجوء إلى المختصين المرخصين في مجالات الإرشاد، التجميل، والتقييم النفسي والتربوي للأطفال.
وأن نُعيد لمفهوم “الثقة” معناها الحقيقي، لأنها لا تُمنح لأي كان، ولا تُجازف به
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
