قرار وزيرة التربية بإلغاء المواد الاختيارية: إخلال بمبادئ العدالة التربوية وتجاهل للواقع اللبناني.!!
كتب المحامي د. وسام صعب
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أعلنت وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان عن قرارها إجراء الامتحانات الرسمية لشهادة الثانوية العامة دون منح الطلاب حق اختيار المواد، على خلاف ما جرت عليه العادة في السنوات الماضية. هذا القرار، في توقيته ومضمونه، يكشف عن انفصام مقلق بين الإدارة التربوية وواقع التعليم المنهك في لبنان، كما ويمثل تراجعًا خطيرًا عن خطط تربوية أثبتت فعاليتها في ظل الأزمات.
أولًا: المعطى الأمني والاقتصادي كعامل محدِّد لمسار العام الدراسي.
مع بداية العام الدراسي 2024–2025، لم يشهد لبنان بيئة تربوية مستقرة. فبالاضافة إلى الازمات الاقتصادية وتداعياتها فقد اندلع العدوان الإسرائيلي على لبنان، ما أدى إلى تهجير عشرات الآلاف من العائلات، وتحويل مدارس رسمية عدة إلى مراكز إيواء، وتعطيل التعليم الحضوري لأسابيع طويلة. في المقابل، لم تتمكن الوزارة من توفير بدائل تعليمية جدية أو خطط طوارئ. هذا فضلا عن غياب المقومات التشغيلية الأساسية، ما جعل العام الدراسي أقرب إلى حالة إنقاذية لا إلى عملية تعليمية منتظمة.
ثانيًا: القرار يناقض فلسفة العدالة التربوية وينسف تجارب الوزارة نفسها.
حق اختيار المواد في الامتحانات الرسمية لم يكن استثناءً عابرًا، بل ثمرة مقاربة واقعية اتبعتها الوزارة ذاتها خلال الأعوام الماضية، حين أقرت صراحةً بتأثير الأزمات على التحصيل الدراسي. وقد ساعد هذا الإجراء على التخفيف من الضغط النفسي والتفاوت المعرفي، وأتاح للطلاب أن يركّزوا على المواد التي تابعوا دراستها بحدّ أدنى من الانتظام. اليوم، وفي ظل عام دراسي أكثر هشاشة، يجري التراجع عن هذا الحق المكتسب من دون أي تبرير علمي أو تربوي مقنع، في ما يشبه العقاب الجماعي لتلامذة دفعوا ثمن انهيار الدولة من مستقبلهم.

ثالثًا: المعايير التربوية الدولية تؤيد التقييم التكيفي.
النظم التعليمية الحديثة، خصوصًا في الدول التي تمر بأزمات، تتجه نحو التقييم التكيفي (Adaptive Assessment) الذي يراعي ظروف الطلاب ويمنحهم مرونة في اختيار المواد أو طبيعة الاختبار، حرصًا على تحقيق مبدأ العدالة والفاعلية التربوية. ويُعدّ هذا التوجّه اليوم من ثوابت السياسات التعليمية العادلة. أما في لبنان، فنجد أن الوزارة لا تكتفي بإهمال هذا المسار، بل تعود عنه بعد أن تبنّته، ما يُظهر ارتباكًا في السياسات التربوية وخللًا في القراءة العلمية للواقع.
رابعا: ان الإمتحانات الرسمية ليست غاية بذاته، بل هي أداة لقياس الحد الأدنى من الكفايات المكتسبة.ومن هنا
الدعوة إلى مراجعة القرار إنقاذًا لما تبقى من صدقية للوزارة نفسها كما وللتعليم الرسمي.
ذلك أن قرار الوزارة، بصيغته الحالية، من شأنه أن يفاقم فقدان الثقة بالسياسات التربوية، ويفتح الباب أمام فوضى تعليمية وردود فعل اجتماعية مبرّرة. من هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة القرار بروح من المسؤولية، لا من العناد الإداري. لأن التربية لا تُدار بالشعارات، بل برؤية علمية، وعدالة منهجية.
