في زمنٍ تتكلّم فيه الآلات، هل ما زال لصوت المطرقة صدى؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
كل عامٍ وأنتم بخير بمناسبة عيد العمال.
أنتم الذين تصنعون من التعب كرامة، ومن الكدح طوق نجاة، ومن الحرف حياة.
إليكم، يا من تزرعون الأرض، وتبنون البيوت، وتطبخون الأمل وتنسجون الصباحات… إليكم كل التقدير.
وفي هذا العيد تحديدًا، لا بدّ أن نقف وقفة تأمل… لا لنصفّق فحسب، بل لنفهم.
أن نعيد النظر في موقع الإنسان من عجلة الإنتاج، ونحن على أعتاب زمن تحكمه خوارزميات لا تنام، وذكاءٌ اصطناعيٌ لا يعرف التعب، ولا يطالب بيوم عطلة.
تُطرح اليوم أسئلة كبرى، تشبه إلى حدّ بعيد همس العامل الذي أنهكه الليل ولم ينصفه النهار:
هل ستقصينا الآلات؟
هل ستُمحى المهن التي عاش بها آباؤنا ونقشوا بعرقهم معنى الكرامة؟
هل سيتحوّل العامل إلى رقم مهمل في جدول بيانات شركة تُدار من وراء شاشات باردة؟
الواقع أن الذكاء الاصطناعي بات يزاحم الإنسان في المصانع والمكاتب، لا بل حتى في الحقول والمطابخ.
مهنٌ عديدة مهددة بالتحوّل أو الزوال، ليس لأن الإنسان لم يعد يحتاج إليها، بل لأن التكنولوجيا قدّمت بديلاً أسرع وأرخص وأكثر دقة.
من خدمة الزبائن إلى إدخال البيانات، من التصميم الجرافيكي إلى الترجمة، هناك تغيّر جوهري في تعريف “العمل”.
لكن السؤال الأهم: هل الذكاء الاصطناعي عدوّ العامل، أم فرصة لإعادة تشكيل دوره؟
في لجنة المرأة في النبطية – نقابة تكنولوجيا التربية، نؤمن أن المستقبل ليس في مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل في التعايش معه وتوجيهه ليكون خادمًا لا سيّدًا.
نعم، بعض المهن ستنقرض، لكن مهنًا جديدة ستُخلق، تمامًا كما اندثرت مهنة الحرفيّ الكاتِب لتحلّ مكانها مهن البرمجة وصناعة المحتوى.
هنا تكمن مسؤوليتنا كمعلمين ومربين، أن نُهيّئ أبناءنا لاختصاصات لم تُخترَع بعد، وأن نغرس فيهم مهارات التفكير النقدي، والإبداع، والمرونة، والتعلّم المستمر، بدلًا من الاكتفاء بتلقينهم معلومات سرعان ما تُصبح قديمة.
ورغم كل هذا الركض نحو المستقبل، تبقى جذورنا في الأرض.
هناك مهن لا تُستبدل ولا تُصنّع، بل تُعاش.
من ذا الذي يستطيع استبدال دفء يد المزارع حين يحرث التراب؟
أو نظرة الحنان في عين الطاهي وهو يسكب الطبق؟
أو شغف بائع الزهور وهو يرتّب باقة فرح لعروس؟
ومن الذي ينكر مهارة اللحام حين يحوّل المعدن الجامد إلى حياة نابضة؟
ومن ذا الذي يجرؤ على اختزال المعلم في شاشة أو برنامج، وهو من يلمس العقل والقلب معًا،
يبذر الكلمة كما يبذر المزارع الحبّة، ويسقيها بالتعلّم العاطفي والانفعالي حتى تنبت فهمًا وطمأنينة؟
فقد قالت عالمة الأعصاب ماري هيلين :
“We don’t learn from people we don’t like.”
“نحن لا نتعلم من الناس الذين لا نحبهم.”
وهكذا، لا تكتمل المعرفة إلا إذا عبرت جسر المشاعر،
ولا يتفاعل المتعلم إلا حين يشعر أن عيني المعلّم تُنصتان لقلبه قبل عقله.
في عيد العمال، نُحيّي كل من لا تزال يداه تعرفان التعب، وكل من اختار أن يكون منتجًا في زمن الاستهلاك.
فلنحتفل بهم لا بالشعارات فقط، بل بأن نضمن لهم مكانًا في عالم يتغيّر… لا أن نتركهم خلف الشاشات، ينتظرون أن يعود الذكاء إليهم.
العامل الحقيقي لا يُستبدل… ولا المعلم، بل يُحتذى بهما.
