“من أراد نزع سلاح الجنوب، فقد اختار نهاية لبنان!”
بقلم د. فرح موسى
إذا أردت أن تكون عظيمًا ذا بصيرة، مجدًا في مواقفك، وحياةً في وطنيتك، فابحث عمّا طوته صفحات التاريخ، لعلّك تكتب لنفسك سطور العز في قيامة لبنان. ففي زمن تعجز فيه الكلمة عن التعبير، تتجلّى الحقيقة من خطابٍ خلدّه الإمام موسى الصدر في 4 كانون الأول 1969، يوم كان “النوم مفخرة السياسة، والعجز سر القيامة”، فقال:
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
“إن لبنان من دون جنوبه أسطورة، وإن لبنان مع جنوبٍ ضعيف جسم مشلول، وإن لبنان من دون قوة الجنوب مغامرة تاريخية…”
فأي غرابة في أن نرى اليوم من يسعى لنزع سلاح المقاومة، وتمزيق سياج الجنوب، ليكون مغامرًا بلبنان كلّه، لا بمجرد شبر منه؟
لقد غاب عن ذهن الكثيرين، من أولئك الذين التبس عليهم معنى الوطن، أن الانتماء ليس ترفًا فكريًا، ولا شعارًا سياسيًا. الوطن ليس نشيدًا يصدح في المناسبات، بل شعور دفين، وميثاق وجود، ومحاريب قدسية تستأهل أن يُبذل لأجلها الغالي والنفيس.
لبنان وطن نهائي، لا يحتمل التهاون ولا القفز فوق تاريخه. هو ليس شركة مساهمة قابلة للتصفية عند أول خلاف، بل هو شراكة روحية وثقافية وإنسانية، يتكامل فيها التنوّع، كما تتكامل الورود في البستان. فالوحدة لا تلغي التنوّع، بل تغنيه.
إن من يدعو إلى تسليم السلاح، وهو لا يرى في الجنوب سوى ساحة نزاع، قد نسي أو تناسى أن الجنوب هو روح لبنان، جرحه، وبوصلته في وجه العدو. وقد نسي أن الإمام الصدر، حين دعا إلى تقوية الجنوب، لم يكن ينحاز لطائفة أو جهة، بل للوطن بكامله، لأنه حيث يوجد الخطر، يجب أن يوجد لبنان كلّه، وإلا فلتسقط مقولة “الوطن النهائي”، ولينتهِ الحلم اللبناني.
لبنان ليس صراع طوائف، بل تنوّع نوافذ. والدين، كما الطائفة، ليسا أدوات للتفرقة، بل مناسك للارتقاء الحضاري إذا ما سُخِّرا في خدمة الإنسان. فالوطنية، كما يقول الإمام الصدر، تعني أن يشعر المواطن بالانتماء إلى كل شبر من أرضه، لا إلى حدود عصبيته.
إن الدعوات لتفكيك عناصر القوة في لبنان، هي دعوات للتفريط بالسيادة. ومن لا يفهم حقيقة الجنوب، ولا يُدرك موقعه في الخارطة الوطنية، يغامر بلبنان، ويجرّه نحو الزوال.
ولذلك، تبقى مقولة تسليم السلاح، من أعاجيب الموت الطوعي لخدمة الأعداء، بل من أكبر الأكاذيب في صدقية الانتماء.
إن الجنوب ليس فقط جغرافيا، بل هو وجدان وضمير. فمن أراد نزع سلاحه، فقد اختار نهاية لبنان. والسلام.
