تركيا وإسرائيل… تنافس أم تبييض وجه لتركيا؟
بقلم الدكتور نسيب حطيط
بعد نجاح تركيا في احتلال أجزاء من سوريا وتنصيب الجماعات التكفيرية في السلطة، وتمكنها من الإمساك بمفاتيح جماعة “الإخوان المسلمين” في عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها الأردن ومصر وتونس وليبيا، تحاول أنقرة اليوم أن تُظهر نفسها كقائد للأمة الإسلامية من بوابة القضية الفلسطينية، موهمة الناس بأنها قادرة على مواجهة إسرائيل – حليفها الاستراتيجي – في وقت عجز فيه العرب والمسلمون عن وضع حدود للاعتداءات الإسرائيلية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تحاول تركيا ملء الفراغ الناتج عن انحسار الوجود الإيراني في المشهد الفلسطيني، بالتوازي مع غياب الدور العربي الداعم للفلسطينيين، بل وتحول بعض الأنظمة العربية إلى داعم فعلي لإسرائيل. أما تركيا، فتقدّم نموذجًا من الدعم السرّي والتصعيد الإعلامي العلني لتضليل الرأي العام، وتكرّر بذلك خديعة “سفينة مرمرة” التي استُدرج من خلالها محور الممانعة للإشادة بـ”الطيب أردوغان”، رغم أنه أمر لاحقًا بإسقاط الدعاوى القضائية ضد المسؤولين الإسرائيليين في المحاكم التركية وفي محكمة لاهاي.
بعد إنجاز مهمة إسقاط الدولة السورية، وقطع طرق إمداد المقاومة، وطرد المنظمات الفلسطينية واعتقال مسؤوليها، تعيد تركيا استخدام خدعة “مرمرة” عبر تهديداتها لإسرائيل بضرورة عدم التدخل في سوريا، على خلفية الغارة التحذيرية قرب القصر الجمهوري، حيث يقيم “الجولاني”، رجل تركيا في سوريا، أو ما يمكن تسميته “الحاكم التركي لسوريا”.
الصراع التركي–الإسرائيلي ليس حقيقيًا، بل يهدف إلى تبييض صورة تركيا بعد صمتها المعيب على إبادة أهل غزة طوال 17 شهرًا. فهي في الوقت نفسه كانت تؤمّن لإسرائيل الغذاء والنفط، ولم تقطع علاقاتها الدبلوماسية معها، وربما أمدّتها بما هو أبعد من ذلك، كل ذلك لتستدرج شكر الفلسطينيين المحاصرين في غزة، وليقال عنها إنها الوحيدة التي ساندتهم!
يعيش العرب والمسلمون – أفرادًا وجماعات وأنظمة – وهمًا كبيرًا مفاده أن إسرائيل وأميركا ستقبل بهم كشركاء في تقاسم الغنائم. والحقيقة أن الأميركيين والإسرائيليين لا يرون فيهم سوى أدوات تنفيذية يجري الاستغناء عنها بعد انتهاء المهام، سواء عبر الانقلابات العسكرية، أو الثورات الملوّنة، أو الإذلال المباشر. هذه هي نهاية كل أداة: أردوغان، محمد مرسي، راشد الغنوشي، صدام حسين، أبو بكر البغدادي، أسامة بن لادن… القائمة تطول.
من المتوقع أن تشهد الساحة السورية في الأشهر المقبلة مسرحية جديدة لصراع جوي ساخن بين تركيا وإسرائيل، تترافق مع مظاهرات في الدول العربية يقودها “الإخوان المسلمون” تأييدًا لتركيا، ومبايعة لأردوغان كمنقذ لفلسطين، فيما يتظاهر أهل غزة لشكر أنقرة، معتقدين أنها وحدها وقفت إلى جانبهم!
إن مشروع تقسيم سوريا هو هدف مشترك للتحالف الأميركي–الإسرائيلي–التركي، الذي تتزعمه أنقرة عبر الجماعات التكفيرية لارتكاب مجازر ضد الأقليات: الدرزية، العلوية، الكردية، مع تحييد مؤقت للشيعة بحكم التفاهمات مع العراق. وقد نجحت تركيا في إدخال إسرائيل إلى العمق السوري من خلال ورقة الدروز، كما دفعت بالأكراد إلى الارتماء في الحضن الأميركي، ليبقوا عنصر تهديد تُستخدم ورقته في حال التباطؤ التركي. ويبقى “العلويون” الذين صمدوا حتى الآن، لكن لا يُستبعد أن تُطلب من تركيا مجازر أكثر دموية بحقهم، لدفعهم لطلب الحماية الأميركية أو الإسرائيلية.
في ظل “دخان” الصراع المخادع بين تركيا وإسرائيل، قد نشهد اغتيال “أحمد الجولاني” مع اتهام الدروز أو العلويين أو حتى “داعش” بالحادثة، في سيناريو يستهدف إدخال سوريا في فوضى شاملة، كما حدث في أفغانستان بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي، وكما يحدث في ليبيا منذ أكثر من 14 عامًا.
لا تنخدعوا بالتصريحات التركية، ولا تصفّقوا لأي اشتباك إعلامي أو عسكري تركي–إسرائيلي مخادع.
تركيا عضو في حلف الناتو، حليف استراتيجي لإسرائيل، وراعٍ رسمي للجماعات التكفيرية، وهي التي حاربت الدولة السعودية الأولى عام 1818، وانتصرَت على الدولة الصفوية في إيران عام 1514، واستعمرت العالم العربي أربعة قرون… واليوم، تحاول أن تعود.
