السياسة في لبنان: ضرب بالمندل بين عبثية الخطاب وتضليل الإعلام
كتبت سولار جابر :
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في بلدٍ تتداخل فيه الطوائف بالمصالح وتتنافس الأحزاب على النفوذ أكثر من التركيز على الخدمة العامة،
لم تعد السياسة في لبنان علماً قائماً على التخطيط أو استناداً إلى تحليل دقيق للواقع، بل باتت أقرب إلى “ضرب المندل”، ذلك الطقس الغامض الذي يعتمد على الحدس والتكهنات أكثر من اعتماده على المنطق والعقل.
هذا الوصف ليس فيه مبالغة، بل يعكس صورة سياسية مضطربة، حيث تصاغ التصريحات بشكل متسرع، وتُبنى التحالفات وفق الأهواء، ويظل المواطن عالقاً وسط تقلبات غير منطقية. فكل استحقاق دستوري، سواء تشكيل الحكومة أو انتخاب رئيس الجمهورية، يُدار وفق حسابات غير واضحة، بينما تتأثر القرارات الداخلية بمعطيات خارجية، لا سيما تلك القادمة من واشنطن، طهران، الرياض وباريس.
ولم يكن الإعلام اللبناني بمنأى عن هذه الفوضى، بل أصبح في كثير من الأحيان جزءاً من لعبة التوقعات السياسية، حيث لم تعد بعض الوسائل الإعلامية تكتفي بنقل الخبر، بل تبنّت دور “الكاهن الإعلامي”، تتنبأ بالمشهد السياسي وفق مصالح الجهات الداعمة أو المرتبطة بها.
تحولت برامج “التوك شو” إلى منصات تصعيدية أكثر من كونها ساحات حوارية، فيما أصبحت المقابلات السياسية شبيهة بالاستجوابات الموجهة، حيث تُفسح المجال للخطابات الشعبوية التي تعمّق الانقسام وتقصي الرأي الآخر. وهكذا، لم يعد المواطن يتلقى معلومات تساهم في توسيع أفقه، بل أصبح عرضة لجرعات مكثفة من التحريض والتضليل.
وعلى غرار الإعلام، تمارس الأحزاب السياسية في لبنان عملها وفق منطق “المصلحة الحزبية” بدلاً من الاعتبارات الوطنية، فبدل أن تكون مؤسسات تهدف إلى تنظيم الحياة الديمقراطية، تحولت إلى أدوات طائفية وإقطاعيات انتخابية، تتكيف مع التحالفات والخطابات وفقاً لمتغيرات المشهد السياسي.
اللافت أن معظم هذه الأحزاب تمتلك أدوات إعلامية توظفها لتسويق رؤيتها وتأليب الرأي العام ضد الخصوم، مما يساهم في تعميق أجواء التخوين المتبادل، وتفشي انعدام الثقة، وصولاً إلى انسداد الأفق السياسي.
كما ان تراجع الخطاب السياسي اللبناني من لغة العقل والمؤسسات إلى أسلوب أقرب إلى التنبؤات الغيبية. عبارات مثل “الأمور رهن الخارج”، “ننتظر الإشارة”، و”الحل بعد رمضان أو الصيف” باتت تعكس ثقافة انتظار مشلول، تبرر الجمود المؤسساتي وتُكرّس حالة اللايقين.
المقلق أكثر أن هذا الخطاب يجد من يروّج له ويصفّق له، سواء عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي، ما يؤدي إلى إقصاء التفكير النقدي لصالح الولاء الأعمى والانتماءات الفئوية.
ما أريد قوله أنه عندما تتحول السياسة إلى ضرب من التنجيم وتُختزل في حسابات ظرفية ورهانات غير عقلانية، يصبح الوطن رهينة لهذه الفوضى. لبنان اليوم لا يحتاج إلى من يتنبأ له بالمستقبل، بل إلى من يقرأ واقعه بوعي وشجاعة. والخروج من هذا المأزق لن يتحقق إلا بإعلام حر، وأحزاب ديمقراطية، وخطاب سياسي يعيد الاعتبار إلى منطق العقل والمسؤولية، بدلاً من الاستسلام للخرافة.
