إسرائيل… تهزم حليفها “أردوغان” في سوريا!
بقلم: د. نسيب حطيط
قصف رئيس الوزراء الإسرائيلي “نتنياهو” حليفه الاستراتيجي “أردوغان” في سوريا، وسخّف بذلك مقولة امتلاك أردوغان للقرار السوري بعد إسقاطه للنظام، وتنصيب “الجولاني” حاكمًا تركيًا على سوريا، وتعهدّه بحمايته سياسيًا وعسكريًا ضد أي اعتداء من أي دولة، في إشارة ضمنية إلى العراق تحديدًا.
لكن اعتقاد أردوغان، الساذج والخاطئ، بأن إسرائيل لن تعتدي على “حليفه الجولاني” نظرًا للشراكة الاستراتيجية التركية–الإسرائيلية، ووحدة المشروع والأهداف، سقط أمام صواريخ نتنياهو.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
فقد قامت إسرائيل بقصف تحذيري للقصر الجمهوري السوري، وهو في الحقيقة كان قصفًا رمزيًا لـ”القصر الجمهوري لأردوغان”. وقد طال القصف مناطق متعددة: حماة، إدلب، حمص، وسواها، متجاوزًا كل تهديدات أردوغان السابقة، والتي لم تسفر سوى عن قرار بإغلاق الأجواء أمام طائرة نتنياهو، بعد علمه بإلغاء زيارة كانت مقررة إلى أذربيجان للإشراف على عمليات عسكرية تقرّرتها الحكومة الإسرائيلية.
فازت إسرائيل بالنقاط على أردوغان في الحرب على سوريا، وربما تكون الرابح الأكبر من انهيار النظام. فقد احتلت جغرافيا سورية تطمح إليها منذ العام 1967، واستطاعت كسب ثقة جزء من الطائفة الدرزية في سوريا، التي طلبت حمايتها، مما شكّل رأس جسر دائم لإسرائيل في الداخل السوري، تحاول اليوم إضفاء الشرعية الإنسانية والسياسية عليه.
في المقابل، لم تستطع تركيا تحقيق حلمها التاريخي بالقضاء على المشروع الكردي الانفصالي، الذي يهدد نظامها ويستنزفه منذ عقود. بل إن واقعًا كرديًا سياسيًا تم تثبيته برعاية أميركية مباشرة، ودعم إسرائيلي غير مباشر، فيما صعّد الأكراد مطالبهم بإقرار الفيدرالية في سوريا، واستنساخ التجربة العراقية، لتطبيقها لاحقًا في تركيا ثم إيران، تمهيدًا لتوحيد “الدولة الكردية” الموعودة منذ الحرب العالمية الأولى.
إن التحالف الأميركي–الإسرائيلي يقبل بوجود تركيا كأداة لتنفيذ المهام القذرة: إنهاك الدول، تقسيمها، وقيادة الجماعات التكفيرية، بما يشبه دور “الإنكشارية العثمانية” قديمًا. لكنه لن يقبل بها شريكًا في القرار، أو قوة إقليمية كبرى تهدد أوروبا من جديد، أو تتقدم على السعودية، الحليف الاقتصادي الذي يموّل الولايات المتحدة بالمال والنفط، وهو ما تعجز عنه تركيا الفقيرة.
هذا التحالف لا يريد وجود دولة عربية أو إسلامية تمتلك عناصر القوة البشرية، والعسكرية، والاقتصادية التي تمنحها استقلالية القرار، خشية انقلابها في لحظة ما على إسرائيل، والمطالبة بالحقوق العربية والإسلامية.
ويبقى السؤال:
هل يُسقط أردوغان بأيدي “الإنكشارية التكفيرية” الجديدة، أي الجماعات المسلحة نفسها، كما حدث مع السلطان عثمان الثاني الذي قتلته الإنكشارية؟
قد يتحقق هذا السيناريو إذا بدأ أردوغان و”الجولاني” بتنفيذ الطلب الأميركي بطرد الجماعات التكفيرية من سوريا، وهي الذراع العسكرية الأساسية –وربما الوحيدة– لتركيا طوال الحرب. وسترفض تلك الجماعات مغادرة “الجنة السورية” التي تعيش فيها، ما قد يشعل معركة تقسيم سوريا، قبل نقلهم إلى اليمن أو الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى، لمشاغلة روسيا بعد حرب أوكرانيا.
ربح أردوغان معركته الشخصية والسياسية في سوريا بإسقاط خصمه “بشار الأسد”، لكنه خسر استراتيجيًا، لأن الطريدة السورية لن تستقر في فم تركيا، بل في أفواه إسرائيل وأميركا وربما روسيا.
انتهت مهمة أردوغان و”الجولاني” في سوريا، وقد تُطوى صفحة الأخير كما طُويت صفحات “بن لادن” و”البغدادي” باغتيالهما أو تغييبهما، في إطار إشعال الفوضى الشاملة بعد انسحاب القوات الأميركية، ودخول القوات الإسرائيلية بديلًا عنها.
سقط أردوغان في امتحان دعم حركة “حماس” –المولودة من رحم “الإخوان المسلمين”– في غزة وسوريا، ولم يؤمن لها حماية ميدانية سوى ببعض التصريحات الإعلامية الفارغة. كما سقط في امتحان حماية سوريا، بعدما أثخنها بالجراح، وأسقط نظامها، وشرّع أبوابها للمجازر والتقسيم الذي يبدو أنه بات قاب قوسين أو أدنى.
إن تقسيم سوريا سيهدد تركيا نفسها، سياسيًا وأمنيًا، ويقضي على طموحها باحتكار “الكنز الاقتصادي السوري”.
هكذا، يكون أردوغان قد اقتنص رأس سوريا وبعض العراق، لكنه لن يستفيد منه، بل سيكون الغنيمة على مائدة إسرائيل وأميركا… دون تعويض!
