كيف نرسم صورة مجلس بلدي بلا نزاعات وبعيدا عن الإنقسامات الإجتماعية؟/ محمد غزالة
بقلم: محمد غالب غزالة
مع اقتراب الاستحقاق البلدي في لبنان، يعود المشهد الانتخابي المحلي إلى الواجهة، محمّلًا بالآمال والطموحات من جهة، وبالانقسامات العائلية والاجتماعية من جهة أخرى. فبالرغم من أهمية هذه الانتخابات في تجديد العمل التنموي والإداري على مستوى القرى والبلدات، إلا أن ما يسبقها من تجاذبات وصراعات يُنتج مناخًا من التوتر والانقسام يصل أحيانًا إلى حدود القطيعة، بل وحتى الطلاق بين الأزواج في بعض الحالات.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
فما هي الخطوات المطلوبة للحد من هذه الظاهرة؟ وكيف يمكن إنتاج مجالس بلدية فاعلة وخالية من النزاعات الشخصية والعائلية؟
أولًا: الانتخابات البلدية… مدخل للديمقراطية المحلية
تشكّل الانتخابات البلدية فرصة حقيقية لتداول السلطة على المستوى المحلي، ولضخّ دم جديد في المجالس البلدية التي تُعنى بإدارة شؤون المواطنين من خدمات، بنى تحتية، ومشاريع إنمائية وثقافية واجتماعية. إلا أن تحوّل هذه المحطة إلى ساحة لتصفية الحسابات العائلية والعشائرية يفرغها من مضمونها الإصلاحي، ويُقوّض الدور المفترض منها في خدمة الصالح العام.
ثانيًا: جذور الأزمة الاجتماعية المرافقة للانتخابات
يرتبط كثير من هذه التوترات بعدم نضوج الثقافة الانتخابية لدى الناس، وغياب الوعي حول حقيقة الدور البلدي. فعوضًا عن التنافس حول البرامج والخطط، يتحول المشهد إلى صراع نفوذ ومراكز، تغذّيه العصبيات العائلية والمصالح الشخصية.
وفي هذا السياق، كثيرًا ما نجد الأخ يخاصم أخاه، والجار يعادي جاره، وصولًا إلى الانقسام داخل العائلة الواحدة، حيث تنقسم الزوجات مع عائلاتهن والأزواج مع عائلاتهم، ما يفتح الباب أمام التوترات العائلية والنفسية والاجتماعية وحتى القضائية.
ثالثًا: أدوار مطلوبة من المعنيين للحد من الظاهرة
1. دور رجال الدين
-
الدعوة إلى التهدئة وتغليب المصلحة العامة على العائلية.
-
توعية المصلّين من منابر الجمعة والقداديس إلى مخاطر الانقسام.
-
التحذير من استغلال الدين أو الطائفة في اللعبة الانتخابية.
2. دور المجتمع المدني
-
تنظيم ورش تدريبية حول القيادة المجتمعية والمواطنة المسؤولة.
-
إطلاق حملات توعية في القرى حول مفهوم المجلس البلدي ودوره الحقيقي.
-
مراقبة الانتخابات وتوثيق أي انتهاكات تؤثر على النسيج الاجتماعي.
3. دور الإعلام
-
تغطية الانتخابات بلغة موضوعية ومتوازنة.
-
تسليط الضوء على المبادرات الإيجابية والتجارب الناجحة.
-
رفض نشر الحملات التحريضية أو الخطابات الفتنوية.
4. دور العائلات والوجهاء المحليين
-
الدعوة إلى الحوار الداخلي قبل تشكيل اللوائح.
-
الاتفاق على معايير اختيار المرشحين (الكفاءة، السيرة الحسنة، النظافة المالية).
-
رفض التدخلات الخارجية التي تسعى لتفريق أبناء البلدة.
5. دور الوزارات المعنية (الداخلية، الشؤون الاجتماعية، الثقافة)
-
إعداد دليل وطني لقواعد السلوك الانتخابي المحلي.
-
دعم البلديات التي تنتج دون نزاع من خلال حوافز أو جوائز.
-
نشر تقارير توثق التجاوزات لتشكيل رادع أخلاقي في الانتخابات المقبلة.
رابعًا: صورة المجلس البلدي النموذجي
المجلس البلدي الذي يولد من رحم الوفاق لا الصراع، هو مجلس قادر على:
-
تمثيل جميع أبناء البلدة دون تهميش أو إقصاء.
-
وضع خطة إنمائية قائمة على أولويات الناس لا الطموحات الفردية.
-
العمل بشفافية ومأسسة دون تحكّم فرد أو فئة.
-
دعوة الأهالي إلى المشاركة في القرار والمساءلة البناءة.
-
التواصل مع الإدارات الرسمية والمنظمات الداعمة لتنفيذ المشاريع التنموية.
خامسًا: نحو ثقافة انتخابية راقية
إن كسر حلقة العنف الاجتماعي المرتبط بالانتخابات يبدأ من الإنسان نفسه: من المواطن الذي يختار بإرادته الحرة، ومن المرشح الذي يترفع عن الخطاب التجييشي، ومن الإعلامي الذي يكتب بقلمه لا بانفعالاته.
إن التحول الحقيقي يبدأ حين نؤمن أن المنافسة لا تعني الخصومة، وأن التنوع في الرأي لا يفسد للود قضية، وأننا – مهما اختلفنا في اللوائح – سنبقى أبناء بلدة واحدة، تجمعنا الطرقات، والمصالح، والآمال.
خاتمة:
الانتخابات محطة مهمة، ولكن ما بعدها أهم. فدعونا ننتخب بوعي، ونعارض باحترام، ونتعاون في ما بعد الانتخابات من أجل بناء مجتمعات بلدية قادرة على خدمة الناس، لا تقسيمهم. فالمجلس البلدي ليس مكسبًا لعائلة أو لطرف، بل مسؤولية جماعية لرسم مستقبل أفضل.
