بدأت الشكوك حول أهداف إبقاء النازحين السوريين في لبنان تتحوّل إلى أدلة واقعية تكشف أن وجودهم لا يرتبط بدواعٍ إنسانية أو بحماية حياتهم من “النظام السابق”، بل يتعدى ذلك إلى أهداف سياسية وأمنية، يتم تكليفهم بها في اللحظة التي تراها الولايات المتحدة مناسبة، لاستثمار وجودهم في لبنان.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لقد فرضت أميركا على الدولة اللبنانية القبول ببقاء النازحين وعدم ترحيلهم، كما فرضت على الهيئات الدولية ومفوضية اللاجئين تقديم مساعدات شهرية، وإصدار إفادات سكن، وفتح مدارس بدوام خاص للسوريين، وإلزام السلطات بإصدار شهادات ولادة يمكن استغلالها لاحقًا لفرض التجنيس.
أما أسباب النزوح، فقد انتفت. فسوريا لم تعد في حالة حرب، والنظام الذي ادّعوا الفرار منه لا يزال قائمًا، بينما تسلّمت فصائل المعارضة، التي يؤيدونها، السلطة في بعض المناطق. انتهت الحرب، وانتفى التهديد الأمني، فلا اشتباكات في المدن والقرى. والأهم من ذلك، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سبق أن ألغى العقوبات عن سوريا، ما يفتح الباب أمام تحسّن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية.
فما مبرّر بقاء النازحين؟ الجواب الوحيد: انتظار تكليفهم بمهام أمنية أو ديموغرافية.
إن الدولة اللبنانية متواطئة إن هي تأخّرت في ترحيل النازحين، وهي التي تدّعي السعي لاستعادة السيادة، بينما هي ليست بحاجة إلى إذن دولي لترحيلهم. لكنها، كل صباح، تستفيق لتصرّح بضرورة نزع سلاح المقاومة، دون أن تلمّح إلى خطر النازحين الذين يهدّدون الأمن والديموغرافيا، ويستنزفون الاقتصاد، من كهرباء وماء وخدمات، دون أن يدفعوا ما يدفعه اللبنانيون من ضرائب، شأنهم في ذلك شأن اللاجئين الفلسطينيين.
وتشارك الأحزاب اللبنانية، بكل انتماءاتها الطائفية، في مؤامرة إبقاء النازحين السوريين، من خلال صمتها عن هذا “الاحتلال” الدولي للبنان عبر “قوات سورية” متنكرة بصفة “نازحين”، رغم سقوط النظام ورفع العقوبات.
لا يمكن الاستمرار في التعامل مع السوريين في لبنان بصفتهم “نازحين”، بل يجب التعامل معهم كمقيمين غير شرعيين، حتى لا تتحوّلهم أميركا وإسرائيل إلى أداة ضد المقاومة، ولا يكونوا وسيلة لتغيير التركيبة الديموغرافية في لبنان. فتجنيس أكثر من مليوني سوري سيؤدي إلى رفع عدد المسلمين بطريقة غير متوازنة، بما يهدد الكيان اللبناني.
ولا بد من التمييز بين النازحين الذين ينتحلون هذه الصفة، وبين العمال السوريين الذين لطالما اعتمد عليهم الاقتصاد اللبناني قبل الحرب، وكان عددهم يتراوح بين 300 و400 ألف عامل موسميًا، من دون عائلاتهم.
لذلك، يجب أن يبادر مجلس النواب، الذي يضم كل القوى السياسية والطائفية، إلى إصدار قانون مكرّر معجّل لترحيل النازحين إلى بلدهم، بعدما أصبحت آمنة وتحت سلطة جديدة تؤيدهم. وعلى الحكومة، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والإدارية، أن تصدر المراسيم اللازمة لتنفيذ هذا القرار خلال الأشهر المقبلة، كما فعلت تركيا وبعض الدول الأوروبية.
لبنان الصغير، المديون والمحاصر، لا يستطيع أن يتحمّل أعباء نحو نصف عدد سكانه من نازحين ولاجئين.
النازحون السوريون أصبحوا سلاح تخريب وتهديد دائم في يد أميركا، أما اللاجئون الفلسطينيون فهم قنبلة موقوتة مهيأة للتفجير عبر مشروع التوطين، في سياق تغيير معالم الكيان اللبناني وتذويب نسيجه عبر التجنيس.
وإذا تم تجنيس السوريين والفلسطينيين “المسلمين”، فسيُقضى على مبدأ المناصفة الهشّ، ويتحوّل المسيحيون في لبنان إلى أقلية غير منظورة. وقد لا يمكن عندها حفظ وجودهم، كونه “الباقي الأخير” من الحضور المسيحي في فلسطين وسوريا والعراق، بانتظار ولادة دولة “الأقباط” في مصر، بعد تقسيم السودان واستحداث دولة “جنوب السودان” المسيحية.
