الانتخابات البلدية… بين تحديد الأحجام وتحجيم المقاومة!/ د. نسيب حطيط
نجحت الولايات المتحدة في فرض إجراء الانتخابات البلدية، كجزء من جدول مطالب “الحاكم الإداري الأميركي” لتمرير بعض القوانين والمراسيم، وبناء المؤسسات الدستورية والإدارية، تمهيدًا لإرساء نظام سياسي وإداري وأمني جديد في لبنان، وفقًا للرؤية والمصالح الأميركية. وقد استندت هذه الخطوة إلى فرضية “وهمية” تفترض هزيمة المقاومة وانتصار التحالف الأميركي، وسعت إلى إلزام المسؤولين اللبنانيين بضرورة إنجاز الاستحقاقات الدستورية دون تسويف أو مماطلة، حتى لو تمّت تحت القصف، وعلى أنقاض البيوت المدمرة، وفي ظل صناديق اقتراع مهجّرة وغير آمنة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
شكّلت الانتخابات البلدية، كما سبقها استحقاقا رئاسة الجمهورية وتشكيل الحكومة، إدانةً واضحةً وإهانةً صريحةً للطبقة السياسية الحاكمة، التي اعتادت على التسويف والتأجيل، إذ تأخّر انتخاب رئيس الجمهورية لسنتين، وتشكيل الحكومات لأكثر من سنة، وأُجّلت الانتخابات البلدية ثلاث سنوات، من دون أي حرب أو تهديدات أمنية أو موانع إدارية تُذكر. إنه “داء التمديد” الذي أصاب الرئاسات والبلديات وحكومات تصريف الأعمال، منذ أكثر من خمسة عقود، أي منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية.
أظهرت الانتخابات ضعف الطبقة السياسية اللبنانية، التي لا تتحرك إلا تحت الضغط أو بناءً على أوامر خارجية، أكانت بلغة عربية أم أجنبية (ما عدا الفارسية). كما كشفت عن فقدان هذه الطبقة لقرارها الحر والمستقل.
أرادت أميركا هزيمة قوى المقاومة في الانتخابات البلدية، بعد أن خسرت في استحقاقي رئاسة الجمهورية وتشكيل الحكومة (إذ تم انتخاب من لم ترشّحه)، لكنها حاولت حفظ ماء وجهها بمعادلة “إن لم يكن ما تريد، فأردِ ما يكون”. وقد افترضت أن الرأي العام الشيعي سينقلب على المقاومة، نتيجةً للخسائر الكبيرة التي لحقت به: أكثر من 25 ألف شهيد وجريح، وعشرات آلاف المنازل والقرى المدمّرة، والممنوع إعادة إعمارها، فضلًا عن التهجير الذي طال الطائفة بأكملها. وبناءً عليه، راهنت على أن تنقلب البيئة الحاضنة على المقاومة عبر صناديق الاقتراع، لتُهزَم من باب الديمقراطية، ويُستكمل بذلك حصارها من الخارج والداخل، وحتى من داخل طائفتها، تمهيدًا لنزع سلاحها.
سعت أميركا إلى تحديد أحجام القوى السياسية والطائفية في لبنان، واختيار الشخصيات التي ستتعامل معها لاحقًا لتنفيذ مشروعها الشامل، دون الحاجة إلى اجتثاث المقاومة ميدانيًا أو احتلال لبنان، أو فرض التطبيع مع “إسرائيل” بالقوة.
لكنها لم تنجح بالكامل، رغم نجاحها في بعض الملفات كملف الغاز ووقف إطلاق النار. أما في ما يخص المجتمع المقاوم، فلم تستطع عزله، بل بقي أهله متمسّكين بالمقاومة ومدافعين عنها، مستخدمين “الصوت” الانتخابي سلاحًا، ليعلنوا أنهم “منها”، لا منبوذون ولا معزولون. وقد تمكّنت هذه البيئة من صد الهجوم الأميركي والفوز عليه، عبر الاقتراع أو التزكية.
أما القوى المتحالفة مع أميركا، فلم تتمكن من تضخيم حضورها مقارنة بقوى المقاومة، واتضح أن ظلها السياسي والإعلامي أكبر بكثير من حضورها الميداني، ما أدى إلى خيبة أمل أميركية-خليجية، حتى داخل الطائفة السنية نفسها، التي أبدت اعتراضًا صامتًا على عزل الرئيس سعد الحريري واجتثاث “تيار المستقبل”. كما فشلت الشخصيات والقوى “البديلة” في وراثة “الحريرية السياسية”، رغم مرور سنوات على تغييبها، كما ظهر جليًا في انتخابات بيروت وطرابلس.
ربحت قوى المقاومة الانتخابات البلدية سياسيًا، لكنها تواجه تحديًا كبيرًا في الفوز إنمائيًا، حتى لا تبقى البلديات في حال الشلل والتهميش كما كانت سابقًا، إذ إن العديد منها لم يقم بأي عمل إنمائي يُذكَر في السنوات الماضية. ويجب ألا تقتصر احتفالات النصر على الفوز السياسي الظرفي، بل أن تُترجم إلى إنجازات وخدمات فعلية للقرى، وألّا تُراهن المقاومة على ولاء الناس المطلق، فتُهمل حاجاتهم وحقوقهم الأساسية.
لقد أظهرت الناس وعيًا كبيرًا، وقدّمت مصلحة المقاومة على كل اعتبار، وأغمضت عيونها عن الخسائر، مدركةً خطورة المرحلة، ومتبنّيةً “فقه الأولويات” الذي يُقدّم الدفاع عن المقاومة على غيره من المطالب.
واليوم، ينتظر أهلنا الشرفاء من قوى المقاومة مراجعة أدائها، ومحاسبة المقصّرين، وعدم الاكتفاء بالفوز السياسي، أو ترك البلديات بلا متابعة. كما يجب الانتباه إلى حالات الاعتراض “الهادئة والمؤدّبة” على لوائح “الثنائي“، التي قد تتبلور في الانتخابات النيابية المقبلة على مستوى المحافظات، ما قد يؤدي إلى اختراق اللوائح إذا أُعيد ترشيح بعض الفاسدين أو المقصّرين من “النواب الدائمين”.
ولا يصح اتهام أهل المقاومة بأنهم يطعنونها إذا لم يصوّتوا للفاسدين الذين تضعهم على لوائحها، بل من حق الناس أن يتهموا من يرشّح هؤلاء بأنه هو من يطعن المقاومة، ويُخْذِل أهلها الشرفاء.
