في الجنوب اللبناني، حيث تُولد النساء على أكتاف التحدّي، لا تكفي الموهبة وحدها، بل يلزمها صبرٌ يشبه شجر الزيتون، ومثابرة تُشبه جريان الليطاني في عزّ الجفاف. هناك، المرأة لا تتفرّغ لحلمٍ واحد… فهي أمّ، وزوجة، ومعلّمة، وصانعة أمل. في قلب هذا النمط اليومي المُتعب، تبرز نساء يصنعن الفرق بهدوء، ويقُدن ابداعات صغيرة داخل منازلهنّ، بخطى ثابتة تُعيد تعريف التمكين.
من تبنين إلى عربصاليم… بداية الرحلة:
رنا، ابنة بلدة تبنين، حملت في قلبها شغف العلم والتعليم، وانتقلت إلى عربصاليم بعد الزواج، حيث تابعت رسالتها كمعلمة معلوماتية ومدرّبة تقنية. لم تكن تعلم حينها أنّ هذه البلدة التي احتضنت عائلتها ستفتح لها لاحقًا بابًا جديدًا لحياة مهنية مختلفة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
نافذة التمكين تُفتح بصابون:
الصدفة وحدها لا تكفي لتغيير المسار، بل تتطلّب يقظة داخلية. ومن ورشة تدريبية بسيطة في جمعية تجمع شباب عربصاليم التطوعي لتصنيع الصابون، بدأت رحلة التحوّل.
تقول رنا:
“كانت الدورة بمثابة نافذة على عالم جديد… شعرتُ أنّ هذا المسار ليس مجرد هواية، بل بوابة لتمكين اقتصادي وإنساني.”
ومنذ تلك اللحظة، بدأت خطواتها تتسارع نحو التعلّم والتطوير.
“عملت دورات بصناعة الصابون أونلاين، وصناعة منتجات البشرة والعناية بها، وبعدني عم بعمل دورات لواكب كل التطور يلي عم بيصير.”
لم تكتفِ بالدورة الأولى، بل تابعت طريقها، فالتحقت بدورات متقدمة ومتخصصة في مراكز تدريبية معتمدة، حيث راكمت معرفة علمية وتقنية دقيقة في تصنيع مستحضرات التجميل الطبيعية، من الصابون إلى الكريمات والعطور والزيوت العطرية وكلّ ما يخص العناية بالبشرة والشعر.
مشروع من القلب… لابنتها:
لم يكن الهدف ربحيًا بحتًا، بل نابعًا من أمومة عميقة. تروي رنا قصتها فتقول:
“قررتُ أن أبدأ هذا المشروع لهدفٍ واحد: ابنتي. أولًا، لأوفّر لها مواد تجميل طبيعية تحافظ على صحّتها وجمالها عندما تكبر. وثانيًا، لأؤسس لها مشروعًا يمكن أن يوفّر لها فرصة عمل مستقبلية تحفظ كرامتها ولا تجعلها بحاجة لأحد.”
ولأن حبها لابنتها امتدّ ليشمل كل التفاصيل، أطلقت على المشروع اسم “جولي”، وتشرح السبب بقولها:
“سميته على اسمها، لأن جولي معناتها البنت يلي بتضل صبيّة وشابة كل عمرها.”
وتتابع:
“أول صابونات عملتهن بالمطبخ، أنا وبنتي، وكنا مبسوطين فيهن كتير.”
من رماد الحرب… إلى رائحة النجاح:
لم تكن رحلة رنا خالية من العقبات، فقد خسرت أول مصنع صغير كانت قد أسّسته نتيجة تداعيات الحرب. غير أنّها لم تتراجع. أعادت ترتيب أدواتها، وغرست قدميها من جديد، وواصلت المسار بعزيمة تُشبه ما يُروى عن النساء الجنوبيات في الحروب… صامتات، لكن لا يُكسرن.
مشروع رنا ليس فقط مشروع إنتاج، بل رسالة بيئية وصحية بامتياز. إذ ترتكز تركيبتها على مواد طبيعية 100%، صديقة للبيئة وآمنة على البشرة. وتطمح اليوم إلى تطوير علامتها التجارية لتكون رمزًا للمنتجات النظيفة في سوقٍ يعاني من التلوّث الكيميائي.
وتؤكد رنا رؤيتها بثقة:
“أنا دايمًا بقول لحالي إنّه هيدا مشروع كبير مش صغير، لأن عندي ثقة إنّه بالجهد والتعب رح نوصل لهدفنا، وهو العالمية إن شاء الله.”
“منتجاتنا بصنعها لوحدي بكل حب، ورح يجي يوم ويصير عندي مساعدين وطاقم كبير.”
تمكينٌ يبدأ من مطبخ… ويتحول إلى مصنع حياة
رنا ليست مجرد قصة نجاح نسائية، بل شهادة حيّة على أنّ التمكين الحقيقي يبدأ حين تُدرك المرأة أن مسؤولياتها لا تُناقض طموحاتها، بل تُعزّزها. من عربصاليم، تقف اليوم امرأةٌ تحمل في كفّيها كريمًا وصابونًا… وفي قلبها، مستقبل ابنتها، ومستقبل قريةٍ بأكملها تحلم بأن تنبعث منها الروائح لا فقط من زهر الليمون… بل من أناملٍ تعرف جيدًا كيف تصنع من أبسط المكوّنات منتجًا يحمل بصمة الحياة.
وتمضي رنا في رسالتها بعينين مليئتين بالعزم:
“منتجاتنا ما انعملت لتخلي المرأة حلوة، لأن هي حلوة كيف ما كانت، بل انعملت لترافق المرأة بكافة مراحل حياتها، وتعطيها الراحة والثقة والحب لنفسها وجسدها.”
وتختم بابتسامة تعبٍ منتصر:
“أنا بنسى كل التعب بس زبايني يحكوني ويكونوا مبسوطين بمنتجاتنا. ويلي شفته بعيون أهل الضيعة من تشجيع وكلام حلو، عطاني دافع أكتر وأكتر. هالضيعة حضنتني، وأنا بحبها.”
“جولي للصابون مش حلم، هي متل زهرة الأقحوان… خلقت بين الجبال والأزمات، من كورونا، للوضع الاقتصادي، للحرب… طلعت من بين الصخور، وإن شاء الله رح تزين هالدني.”
