هل تكون الحرب الصهيونية ـ الشيعية… الحرب الثالثة؟/ د. نسيب حطيط
تخوض الصهيونية العالمية، برعاية الماسونية، حرباً على الأديان والقيم الأخلاقية. وقد نجحت في تدمير المسيحية الأصيلة وسجنها داخل جدران الكنيسة، ولقّحت الإسلام، عبر مؤسسات السلطة أو الحركات التكفيرية، بجرعات من التسطيح والتحريف، لإفراغه من جوهره ودوره السياسي والاجتماعي، وقلب المفاهيم، ليصبح قتال المسلمين والمسيحيين أولويةً للحركات التكفيرية، وفق إدارة الولايات المتحدة لهذه الجماعات.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تنبّأ الماسوني “ألبرت بايك” في عام 1871 بقيام ثلاث حروب عالمية: الأولى ضد القياصرة، والثانية ضد النازية، والثالثة بين الصهيونية السياسية والإسلام. وكان “بايك” يروّج لفكرة “الشيطان الأمير”، ما يسهّل فهم الشعار الذي أطلقه الإمام الخميني على أميركا: “الشيطان الأكبر”. وسواء كانت هذه الوثيقة صحيحة أم لا، فإن الوقائع والأحداث تشير إلى هذه الحرب على “الإسلام الشيعي”، باعتباره القلعة الأخيرة للدفاع عن الإسلام والمسيحية والحقوق والأخلاق، وهو يواجه المشروع الأميركي منفرداً منذ ثلاثين عاماً، بعد اتفاقيات “أوسلو” الفلسطينية واتفاقيات التطبيع والسلام مع إسرائيل.
بقي الإسلام الشيعي متمسكاً بسلاحه، داعماً للقضية الفلسطينية وتسليحها، بعدما تخلّت السلطة الفلسطينية عن المقاومة المسلحة، مما أضعف موقفها الداعم.
بدأت الحرب على الإسلام الشيعي المقاوم انتقاماً من انتصار المقاومة عام 2000، لما أحدثه في الوعي الإسرائيلي بعد سقوط بعض “المسلّمات” التي روّجت لها إسرائيل، مثل “استحالة هزيمتها” و”جيشها الذي لا يُقهَر”. فشنّت إسرائيل حربها الثأرية عام 2006 وانهزمت، فأشعلت أميركا “الربيع العربي”، واستطاعت تشتيت القوى وحفر خندق مذهبي عميق بين السنة والشيعة، نتيجة القتال بين حركات المقاومة الشيعية والجماعات التكفيرية المدارة أميركياً.
هذا الصراع جفّف بحر التعاطف والتضامن العربي والإسلامي مع المقاومة في لبنان، بعدما اخترقت الحواجز المذهبية إثر انتصاري 2000 و2006، وعادت المقاومة اللبنانية إلى سجنها الطائفي، حتى داخل لبنان.
إن الإسلام الشيعي المقاوم يرتكز على ركيزتين أساسيتين، يجب القضاء عليهما لاجتثاث ما تبقى من مقاومة عربية وإسلامية:
-
إيران بصفتها قائدة المشروع المقاوم.
-
المقاومة اللبنانية بصفتها “محور المحور”، ورأس المشروع المقاوم، والسور العالي لحماية إيران، وفق توصيف بنيامين نتنياهو.
قال نتنياهو: “إن اغتيال نصر الله يفتح لنا الطريق إلى طهران”. وبعد اغتياله بشهرين، سقطت سوريا، وبعد تسعة أشهر بدأت حرب إسقاط النظام في إيران، ثم التحضير لإسقاط العراق. وعندما تسقط هذه الحواضر الشيعية الثلاث: إيران والعراق ولبنان، يسقط الإسلام السياسي الشيعي، ويعود إلى زمن “التقيّة” وهدم المقامات، كما حدث في البقيع، وكما يجري في سوريا، وهو النموذج الذي سيُعمَّم في حال انتصرت أميركا.
استطاعت الماسونية والصهيونية العالمية، بأدواتها العلنية والسرية، تحشيد العالم ضد المقاومة، وعلى رأسها إيران، حتى صار هذا المطلب جماعياً من بعض العرب، الذين فضحتهم إيران والمقاومة بتخلّيهم عن دعم غزة والمسلمين، لمصالح مذهبية ضمن الصراع السني – الشيعي، وتحالفاً مع إسرائيل. هؤلاء يمارسون النفاق السياسي، فيصرّحون بدعم فلسطين كلامياً، ويدعمون إسرائيل بالغذاء والسلاح وفتاوى “عدم القتال”.
إن الحرب الصهيونية – الشيعية حرب دينية وجودية، لا مجال فيها للحلول الوسط، إلا مؤقتاً لالتقاط الأنفاس. وهي مستمرة بإصرار أميركي، اعتقاداً منها بأنها في الخطوة الأخيرة لإسقاط الأديان، واحتلال الجغرافيا، واستعباد الشعوب.
الشعوب الإسلامية والعربية، الصامتة أو المحايدة، أو حتى الشامتة، المتحالفة مع العدو لإسقاط إيران وحركات المقاومة، تمارس انتحاراً جماعياً غير مشروع. فـسقوط الإسلام الشيعي المقاوم سيسهّل فرض القيود الأميركية والإسرائيلية على الشعوب والحكّام، وتقسيم بلدانهم، وتغيير أديانهم، والتحكّم في لقمة عيشهم.
ولن تبقى دول الخليج بمأمن؛ إذ سيفرض عليها تجنيس العمال الأجانب الذين يفوق عددهم عدد المواطنين، وستُقسَّم الدول العربية إلى دويلات وإمارات قومية ومذهبية كما تريد أميركا. ولن تنجو تركيا، حتى بعد تنفيذها المهمات الموكلة إليها.
إن الحرب الصهيونية – الشيعية ليست عسكرية فقط، ولا محصورة في الجغرافيا الإيرانية، بل ستمتد إلى الجغرافيا العالمية، وعلى مستوى العقل والسلوك والدين والسياسة والأخلاق.
لا حياد لأي شيعي أو سني أو مسيحي في هذه المعركة. فمن لم يتدخل، لن يتركه الأعداء سالماً، إلا إذا تنكّر لدينه وقيمه، أو أصبح عميلاً تابعاً!
الحرب صعبة وطويلة، ولا بد من الإعداد لها بما يتناسب مع قدرات العدو وتخطيطه، مع الخروج من دائرة السطحية والجمود، وقتل العقل، وإقصاء الكفاءات، أو الاستعانة بالشخصيات الضعيفة التي لا تتقن سوى المديح، وتهرب عند أول منعطف.
لا بد من توسيع دائرة المقاومين للمشروع الأميركي – الإسرائيلي، والانفتاح مجدداً على الشرفاء والأحرار في لبنان والعالم العربي والإسلامي، مع تحسين الأداء، وتعزيز التواصل، وحسن الخطاب.
