بقلم: محمد غزالة
رئيس تحرير شبكة الزهراني الإخبارية (ZNN)
رئيس تحرير شبكة الزهراني الإخبارية (ZNN)
في اللحظات التاريخية الحرجة التي تعصف فيها التطورات العاصفة بمنطقتنا، وتتوالى التحديات الوجودية التي تستهدف الهوية الحاضنة بأسرها، يجد العقل العربي والإسلامي نفسه أمام استحقاق مصيري يتجاوز حدود المناورات السياسية والخطابات الدبلوماسية المعتادة. ومن رحم هذه الأزمات، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً وحساسية: هل بات التقريب بين المذاهب الإسلامية مجرد ترف فكري وشعار يُرفع في المؤتمرات، أم أنه تحول إلى ضرورة استراتيجية قصوى وخط دفاع أول لا مفر منه للمواجهة والصمود؟
إن القراءة الدقيقة للمشهد الإقليمي والدولي من ألفه إلى يائه تؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، أن خيارات التقارب والوحدة لم تعد خياراً أخلاقياً وعقائدياً بحتاً، بل هي مسألة حياة أو موت لجغرافيا برمتها. فالعدو الذي يتربص بأمتنا، ويمارس حرب الإبادة والتدمير الممنهج والتجريف خارج كل الخطوط والاتفاقات، لا ينظر إلينا عبر عدسات التمايز المذهبي أو الفقهي؛ إنه لا يرى “سُنياً” أو “شيعياً”، بل يرى “كتلة واحدة” يريد قضمها، واجتثاث عقائدها، وتفتيت عناصر قوتها وتاريخها. وحين تعجز الترسانة العسكرية للاحتلال عن الحسم في الميدان أمام ضربات المقاومة الباسلة، يصبح سلاح الفتنة المذهبية والتمزيق الداخلي هو الرهان البديل والهدية المجانية التي ينتظرها الأعداء لتفكيك الجبهة الداخلية وتفريغ الصمود من محتواه.
ومع ذلك، يصطدم هذا المسار الحتمي بالخيارات السياسية للأنظمة الحاكمة التي غالباً ما تنعكس سلباً على مبدأ التقريب. فبعض الأنظمة تعمد، في إطار حساباتها الضيقة ومصالح عروشها، إلى توظيف الخلاف الفقهي الطبيعي وتحويله إلى صراع سياسي وجودي، مستخدمة الخطاب التحريضي لشد العصب من جهة، أو لتبرير تحالفاتها وارتماءاتها في أحضان المشاريع الأميركية والتطبيعية من جهة أخرى. إن إجهاض مبادرات التلاقي يخدم مباشرة سياسة “فرّق تسد” الاستعمارية التي تقطع آلاف الكيلومترات لتبيد شرقنا وتعيد صناعته على مقاس أطماعها.
أمام هذا الواقع المأزوم، ما هي الخطوات الأمثل للتقريب بين المذاهب، أقله للوصول إلى قواسم ونقاط مشتركة يمكن الرهان عليها في معركة الوعي والوجود؟
أولاً، لا بد من تفعيل “فقه الأولويات”، وتقديم أولوية حفظ دماء الأمة وصون كرامة الإنسان على أي نقاش تاريخي أو فقهي فرعي، فالخطر المحدق يفرض تجميد المعارك الجانبية فوراً. ثانياً، يتوجب نقل الحوار من الغرف السياسية الضيقة إلى الثوابت الكبرى الجامعة (كالقرآن الكريم، والقبلة الواحدة، والعدو المشترك)، وعزل الملفات الخلافية عن البُعد العقائدي. ثالثاً، تبرز الحاجة الملحة لـ ترشيد الخطاب الديني والإعلامي، عبر تجريم لغة التكفير والتحريض على المنصات والشاشات، ومحاسبة الأصوات الفتنوية التي تمثل اختراقاً استخبارياً مكشوفاً للأمة. وأخيراً، المأسسة الأكاديمية والتربوية عبر إدراج الفقه المقارن في الحوزات والجامعات الإسلامية الكبرى لتعزيز ثقافة احترام الاختلاف والتنوع.
موسى الصدر … تجربة حيّة في لبنان
وتتجلّى الأبعاد الحيّة لهذا المسار في تجربة الإمام المغيب السيد موسى الصدر في لبنان، والذي حوّل التقريب إلى نهج ميداني صلب، مرسخاً القناعة بأن الأديان والمذاهب وُجدت لخدمة الإنسان وصون كرامته. لقد واجه الإمام الصدر مشاريع التفتيت وعزل المكونات بالانفتاح الحواري الشامل، معتبراً أن وحدة الصف الداخلي هي السلاح الأقوى في وجه الأطماع الصهيونية، لتظل تجربته منارةً تثبت أن التلاقي هو الحصن الوجودي الوحيد للوطن وللأمة في أحلك الظروف وأقساها
إن التقريب الذي ننشده ونراه طوق النجاة الوحيد لا يعني ذوبان مذهب في آخر أو إلغاء الخصوصيات، بل يعني “الاتحاد في مواجهة المقصلة المعلقة فوق رقاب الجميع”. والأنظمة أو الجماعات التي تصر على الانكفاء خلف متاريس التباعد والخصومة الجوفاء ستؤكل يوم يُؤكل الثور الأبيض. العدو يريدنا جميعاً، ولا يرحم متردداً، والوعي بهذه الحقيقة الصادمة هو الخطوة الأولى والأساسية نحو صياغة مشهد جديد يكسر جدار الصمت ويصنع الأمل الحقيقي للنصر والاستقرار. فهل من يسمع، وهل من يتعظ قبل فوات الأوان؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
