إيران وحرب الاستنزاف: معركة استنهاض الأمة وكسر الهيمنة
تخوض إيران اليوم واحدة من أشرس المعارك في تاريخها الحديث؛ معركة لا تقتصر على الدفاع عن حدودها أو ملفها النووي، بل تتجاوزها إلى الدفاع عن الإسلام التحرّري، وعن القضية الفلسطينية، وعن محور المقاومة بأسره في مواجهة المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي الساعي إلى فرض نظام أحادي القطبية، يضع “فرعون العصر” في موضع السيادة فوق القانون الدولي، مستبيحًا الشعوب، مسقطًا الأنظمة، وهاجرًا أهل الأرض لإقامة “منطقة سياحية” في غزة!
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
رغم ضراوة الضربة الأولى، خرجت إيران متماسكة، مستوعبة للهجوم، مستعيدةً المبادرة عبر هجوم مضاد لا يزال مستمرًا. فبينما خُصصت الأيام العشرة الأولى للدفاع عن كيان الدولة ونظامها، تأتي الأيام العشرة التالية في إطار حرب استنزاف ترمي إلى إنهاك العدو، استنهاض الأمة، وتثبيت توازن الردع، تمهيدًا لفرض الشروط على طاولة التفاوض التي باتت اليوم حاجةً إسرائيلية وأميركية أكثر منها إيرانية.
العدو تحت الضغط: سقوط أسطورة الأمن الإسرائيلي
لم يعهد الكيان الإسرائيلي منذ تأسيسه حجمًا مماثلًا من الضربات الصاروخية. فالتشكيك بات يتغلغل في عقول المستوطنين والسياح حول جدوى “إسرائيل الآمنة”. سقطت أسطورة الأمن التي روّجت لها الدعاية السياسية والدينية الإسرائيلية، وسقط معها يقينٌ عميق بأن “الرب يحميهم”، بينما كان الحاخامات والجنود والمدنيون يفرّون إلى الملاجئ مع أولى الصواريخ الإيرانية.
في الداخل الإيراني… الحرب توحد لا تفرّق
داخل إيران، جاءت النتائج بعكس ما أرادته واشنطن وتل أبيب. فقد توحّد الشعب الإيراني على اختلاف مكوناته – محافظين، إصلاحيين، معارضين – دفاعًا عن السيادة والوطن. الحرب، بدل أن تزعزع الداخل، أعادت لحمته، وأثبتت أن المشروع الأميركي ليس قدرًا مقدسًا لا يُرد.
رسالة إلى الأمة: يمكن مواجهة الهيمنة
لقد أيقظت إيران أمةً نامت طويلًا تحت وطأة القمع أو التضليل. أثبتت أن “الإرادة” قادرة على كسر الهيمنة الأميركية – الإسرائيلية، وأن إسرائيل التي يُهرول البعض للتطبيع معها، ويطلب ودّها، عاجزة، تستنجد بالأميركيين والناتو وبعض الأنظمة العربية والتركية لإنقاذها من الانهيار.
من الحرب إلى التفاوض: فرصة لفرض الشروط
عقب عشرة أيام من الصمود، أعلنت واشنطن رغبتها بالعودة إلى المفاوضات، وأبدت إسرائيل استعدادها لقبول وقف لإطلاق النار، إذا وافق المرشد الأعلى في طهران، الذي نجا من محاولة اغتيال أميركية – إسرائيلية فاشلة.
لذا، من الحكمة أن تُمدد إيران حرب الاستنزاف، وألا تتعجل الرد على أميركا، لتكون نهاية الحرب بداية لتحقيق شروط واضحة، أبرزها:
-
تأمين حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
-
رفع العقوبات الاقتصادية، واستعادة الأموال المجمدة.
-
وقف النار على جبهتي لبنان وغزة، وإلزام إسرائيل بوقف الاغتيالات والقصف.
انتصار المعادلة الأخلاقية والسياسية
إيران، بهذه الحرب، تمكّنت من قلب الصورة التي حاول خصومها ترسيخها لسنوات. محَت آثار التحريض المذهبي والقومي ضدها، وأعادت التأكيد، بالفعل لا بالقول، على دعمها للقضية الفلسطينية، بالمال والسلاح والدعاء.
وللتاريخ، فقد كان الإمام الخميني، منذ عام 1977، أول من دعا علنًا لجواز صرف أموال الخمس للمقاومة الفلسطينية، وهو الموقف الذي خالفه كثيرون، وروّجوا لمقولات باطلة بأن إيران لا تهتم بغزة. لكننا نتساءل: إن كانت إيران لا تدعم المقاومة، فلماذا تقصفها إسرائيل وأميركا؟ ولماذا تُستهدف المقاومة في لبنان والعراق واليمن أيضًا؟
تحويل التهديد إلى فرصة
اليوم، بإمكان إيران أن تُحوّل الهجوم المشترك الأميركي – الإسرائيلي إلى فرصة لإعادة ترميم محور المقاومة، خصوصًا في ظل الاتهامات المتكررة بأن الحركات الحليفة لطهران هي “أذرعها”. يتفاخر نتنياهو بأن اغتيال السيد نصر الله هو “الطريق إلى طهران”، وعلى إيران أن تُعيد إغلاق هذا الطريق، لا أن تفتحه.
وإذا كان الفقه الإسلامي يُجيز “النيابة” في الصلاة والصيام والحج، فلِمَ لا تكون الصواريخ الإيرانية قضاءً عمّا فات، وقصفًا بالنيابة عن صواريخ المقاومة اللبنانية التي حاول العدو تدميرها؟
الختام: لا للتراجع… نعم لاستكمال المواجهة
ندعو إلى استكمال حرب الاستنزاف لأيام إضافية، وألّا تكون قصيرة زمنيًا أو ضعيفة المطالب، حتى لا تضيع الفرصة التاريخية التي أعادت جمع أوراق القوة، ولئلا نخسر نحن – كأمة – ما تبقى لدينا من عناصر القوة والصمود.
