عاشوراء… من دمعة الوجدان إلى بصيرة الإنسان: أن نعرف أنفسنا، ليَفهمَنا الآخر، الشريك في الوطن
تقترب ذكرى عاشوراء من جديد، فتعود إلى الأرواح زلزلةُ الحزن، وترتجف القلوب كلما سمعت: «يا حسين».
لكن، في خضمّ هذا المدّ العاطفي، ثمّة سؤال لا بدّ أن يُطرح:
هل يكفي بكاء العيون إذا لم يصحبه وجدان القلوب؟
وهل يثمر وجدانٌ إن لم تَهتدِ به بصيرةٌ تستلهم عِبرةَ التضحية؟
عاشوراء تُحيى غالباً بالبكاء واللطم والسواد، لكن خطر العادة يهدد جوهر الرسالة.
فليس كل بكاءٍ ولاءً، ولا كل دمعةٍ معرفة.
الحسين، عليه السلام، خرج لا ليُبكَى فحسب، بل ليُتَّبع؛ خرج بالإصلاح لا بالنحيب، بالوعي لا بالعاطفة المجردة.
فإن تحوّل الحزن إلى طقسٍ موسميّ يملأ المجالس دون أن يُحرّك الضمائر، فقد خُنّا الهدف الأسمى لنهضته.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
● الحسين كمنهج إصلاحي في حاضرنا
حين نقول إن الحسين “عابرٌ للزمان”، فنحن لا نطلق شعارًا عاطفيًا، بل نؤكّد حقيقةً مفصلية:
أن نهضته ليست من الماضي فحسب، بل من الحاضر وإليه.
فكربلاء تتكرر كل يوم، حين يُسلب الناس حقهم، ويُختطف القرار، وتُكمّم الأفواه.
والحسين يعود في كل من يواجه سلطة فاسدة، أو طغيان المال، أو تحالفات الظلم التي تُخضع الأوطان للوصايات.
في لبنان، حين يُغتال الإصلاح باسم “التوافق”، وتُدفن الكفاءات تحت أنقاض الطائفية،
وحين يُستدرَج الشاب إلى الانتحار أو الهجرة أو الخضوع، يصبح سؤال الحسين:
“ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟”
نداءً سياسيًا وأخلاقيًا معاصرًا، لا مجرد سطر في مقتل.
فالحسين علّمنا أن السكوت خيانة، وأن النهوض – وإن كان مكلفًا – هو الفريضة، وأن الكلمة موقف لا مجاملة،
وأن الإصلاح يبدأ من الإنسان، لا من السلطة وحدها.
من هنا، ليس مطلوبًا فقط أن نبكي الحسين، بل أن نُعيد إنتاج مشروعه:
في مدارسنا ومناهجنا،
في بلدياتنا وإداراتنا،
في وعينا المدني والسياسي.
فالإصلاح الذي خرج الحسين من أجله لا يُنجَز بالنوايا، بل بالمساءلة والمبادرة والعمل والمقاومة الفكرية والميدانية.
● الحسين والمسيح… الشهادة والعيش المشترك
لقد اجتمع في الحسين بن علي، كما في يسوع الناصري، أرقى معاني الفداء، وأسمى صور المواجهة السلمية للباطل.
كلاهما اختار طريق الصلب والشهادة بدل المساومة، وكلاهما قال “لا” في وجه الطغيان، ودفع ثمنها بنفسه.
المسيح، عليه السلام، واجه دولةً دينيةً متغطرسة، باسم الرحمة والغفران،
والحسين، عليه السلام، واجه دولةً دنيوية متدثّرة بلبوس الدين، باسم الكرامة والإصلاح.
كلاهما سار إلى موته بوعيٍ تام، ليُعلّم الأجيال أن الدم أقوى من السيف، وأن الإنسان يمكن أن يُهزم في الظاهر، ويظلّ منتصرًا في الضمير والرسالة.
وهنا تكمن قيمة عاشوراء كفرصة للعيش المشترك، لا للصدام المذهبي.
حين ننطلق من الحسين والمسيح كرمزين إنسانيَّين، نجسر الهوّة بين الأديان، ونُنتج مشتركًا قيميًا يصلح لبناء الأوطان.
● بين الشعائر والمقاصد
الشعائر الحسينية، بكل ما تحمله من رمزية وشحن وجداني، ينبغي أن تكون محطّة تذكير لا تسكين، وبوابة وعي لا ملاذًا من المسؤولية.
فإذا اقتصرت عاشوراء على ترداد النصوص والبكاء الجماعي، دون إدراك الغاية الكبرى التي من أجلها قدّم الحسين أعزّ ما يملك، نكون قد سقطنا في فخّ التكرار دون تجديد، والتقديس دون تفهّم.
إن البكاء على الحسين واجب أخلاقي، ما دام يُنبت موقفًا؛ وإن اللطم على الحسين مُلهِبٌ للمشاعر، ما دام يُنتج التزامًا بقيمه في مواجهة الظلم.
عاشوراء ليست يومًا للبكاء وحده، بل محرابًا للوجدان، وميدانًا للبصيرة، ومدرسةً للتضحية.
فيها يُسائل الإنسانُ نفسه:
أين أنا من مشروع الحسين؟
هل أنا شاهدٌ أم شريك؟
هل أُحيي ذكراه دموعًا، أم أُجددها في مواقف؟
● البعد الإنساني لعاشوراء: الحسين ليس حكرًا على شيعته!
الحسين، عليه السلام، لم يكن حكرًا على طائفة أو فئة، بل وقف على جبهة الإنسان، في وجه السلطان الجائر، وباسم الكرامة والعدل والحق.
وهذا ما يجعل عاشوراء تراثًا إنسانيًا مفتوحًا على العالم، يمكن أن يُلهم كل مناضل وكل مظلوم، بصرف النظر عن دينه أو قوميته.
وهنا لا بدّ من الانتقال من التلقين الطائفي إلى التبليغ القيَمي، ومن الحصار المذهبي إلى الانفتاح الحضاري.
فالحسين ليس مأساةً نُغلّفها بالموروث وحده، بل هو قضيةٌ قابلة لأن تكون قاطرة نهضوية لكل المجتمعات الباحثة عن الحرية والكرامة.
إن الحسين لم يُقتل بطعنة سيف، بل بقي حيًّا لأنه طُعن في قلب الظلم، وأحيا فينا ضمير العدل.
وإن دموع العيون، إن لم تستقرّ في قلبٍ يستوعب الدرس، صارت عادةً لا عبادة، وموسمًا لا مسيرة.
● التربية الحسينية
فلنُربِّ أبناءنا على الحسين الإنسان، لا فقط الحسين المأساة.
ولنغرس فيهم أن كربلاء لم تكن مسرحًا للبكاء، بل مدرسةً للتحدي، وحالةً تربوية متكاملة تعلّمنا كيف نكون مع الحق ولو كنا قلّة، وكيف نرفض الذل ولو كلفنا ذلك الحياة.
فأن نُربّي جيلًا “حسينيًا”، لا يعني أن نُدخله المجالس فحسب، بل أن نُدخله إلى عمق الحسين، إلى عقله وروحه، إلى صموده وخطابه ومشروعه.
ولنُحيِ عاشوراء بعينٍ دامعة، وعقلٍ واعٍ، وقلبٍ يتقن الإنصات لنداء:
“ألا من ناصرٍ ينصرني؟”
فالناصر اليوم ليس من ينوح فقط، بل من ينهض.
السلام على الهدى ونوره، محمدٍ، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى أصحابهم الأخيار المنتجبين.
والسلام على يعسوب دين محمد، أسد الله الغالب، عليّ بن أبي طالب،
والسلام على الحسن، والسلام على الحسين، سيّد الشهداء، وارث الأنبياء، وضمير الأمة في مفترق الطرق.
والسلام على عليّ بن الحسين، زين العابدين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين،
وعلى الأرواح التي حلّت بفنائه وأناخت برَحْله، وارتضت أن تموت واقفة لأجل أن يحيا الإنسان حرًا.
السلام على الحسين،
الذي خرج ليُصلح أمة جدّه، لا ليُفني خصومه، بل ليوقظ ضمائرهم،
الذي اختار الموت ليُعلّم الحياة، وسقط ساجدًا كما سقط المسيح على الصليب، لا مهزومًا بل منتصرًا بالحبّ والحقّ.
السلام على الحسين،
وعلى كلّ من سار على دربه من المسيحيين والمسلمين، من الأحرار والأنقياء،
الذين حملوا الرسالة واختاروا أن يكونوا جسرًا بين الله والناس، بين المظلومين والخلاص.
السلام على الذين آمنوا بأن الدين ليس شعارًا، بل ثورة على الظلم، وقيامة للحياة.
عليهم سلام الله ما بقي الليل والنهار،
وسلامٌ على كل قلبٍ وعى صوتهم، ومشى في نورهم، وصنع من دمعهم صلاةً ومن جراحهم وطنًا.
