إعلان التطبيع والاستسلام… خوفٌ أم طموح لـ”دويلة درزية”؟/د. نسيب حطيط
في الذكرى الثالثة والأربعين لاجتياح العدو الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982، والذكرى الثامنة والأربعين لنكسة حزيران 1967، أطلّ الوزير وليد جنبلاط بمؤتمر صحفي أقل ما يُقال فيه إنه انقلاب كامل على تاريخه الوطني، حين أعلن باسم حزبه تسليم السلاح سرًّا، دون أن يسمعه أو يراه أحد.
هذا الإعلان الذي وصفه البعض بـ”ساعة التخلّي”، حمل دعوة صريحة للمقاومة ولجميع الأحزاب اللبنانية لتسليم سلاحها، والالتحاق بمسار التطبيع والاستسلام، من دون مقابل سياسي أو ضمانات أمنية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أحكام مسبقة… وتناقضات خطيرة
نصّب جنبلاط نفسه قاضيًا ووصيًا وولي أمر على اللبنانيين والمقاومة، مطلقًا أحكامًا قطعية لا تقبل الاستئناف، منها:
-
إعلان انتصار أميركا وإسرائيل حتى قبل أن تنتهي الحرب.
-
الإيحاء بانتهاء المشروع المقاوم، وبدء شرق أوسط أميركي جديد تقوده إسرائيل.
-
اعتبار مزارع شبعا سورية، نيابة عن الدولة اللبنانية وأصحاب الأرض.
-
انتفاء الحاجة إلى السلاح، والدعوة إلى “كتابة المذكرات” بدلاً من المقاومة.
-
إعلان هزيمة المقاومة، والمطالبة بتسليم سلاحها، في تناقض صارخ: فكيف تكون مهزومة ولا تزال تحتفظ بسلاحها وعديدها وقوتها الردعية؟
هل هي دعوة لخدمة مشروع “دويلة درزية”؟
يبقى السؤال: لماذا الآن؟
هل هو خوف من انقلاب داخلي ضمن الطائفة الدرزية؟ أم طمع بحجز موقع مستقبلي في مشروع “الدويلة الدرزية” ضمن خطة تقسيم سوريا والمنطقة؟
خاصة وأن خطوة نزع الصفة اللبنانية عن شبعا تصبّ في مصلحة خلق “جغرافيا نظيفة” على مثلث (لبناني – سوري – فلسطيني) تمهيدًا لذلك.
لكن ما يغفله جنبلاط، أن مثل هذه الدويلة – في حال قُدّر لها أن تقوم – ستكون حُكمًا بقيادة دروز إسرائيل، الذين تثق بهم تل أبيب أكثر، وقد قاتلوا في صفوف جيشها منذ عقود.
تموضع مفاجئ… و”7 أيار” سياسي جديد
جنبلاط، الذي كان بوسعه التزام الصمت أو الحياد، اختار رفع راية التطبيع في توقيت لم يُقدم عليه حتى اليمين المسيحي بوضوح.
بل ذهب أبعد من ذلك، فدعا لتسليم السلاح بلا أي مقابل، في أفشل أنواع العمل السياسي.
حتى لو افترضنا جدلًا إمكان تسليم السلاح (وهو غير وارد)، فهل من عاقل يفعل ذلك في خضم الحرب، وقبل ضمان أي مكاسب سياسية أو أمنية أو اقتصادية؟!
الحرب لم تنتهِ… والمقاومة باقية
الجميع يعلم، كما يعلم جنبلاط، أن الحرب لم تنتهِ:
-
لا في غزة، حيث لا تزال المقاومة تقاتل.
-
ولا في لبنان، حيث لا تزال المقاومة قادرة على حماية البلد من السقوط في قبضة الأميركيين.
-
ولا مع إيران، التي تواجه التحالف الإسرائيلي–العربي لأول مرة بشكل مباشر.
-
ولا مع اليمن، الذي تحوّل إلى جزء أصيل من محور المقاومة.
دروز المقاومة أولًا
أما الدروز الوطنيون في لبنان وسوريا، فلن يرضوا بتدنيس تاريخهم العريق بجريمة التطبيع، فقد كانوا في طليعة المقاومين: من سلطان باشا الأطرش، إلى سمير القنطار، إلى من لا تزال بنادقهم مشروعة في وجه العدو.
كلمة أخيرة
نأمل أن يكون هذا الموقف من جنبلاط ناتجًا عن لحظة خوف، لا عن قناعة راسخة.
ونقول بوضوح: المقاومة لم تنهزم، وبيئتها لم تُكسر، وليست طائفة يتيمة تستجدي شفقة أحد.
وكما قال الإمام موسى الصدر:
“لا نقبل أن يبتسم لبنان وجنوبه يتألّم”… ولا نقبل أن يستسلم لبنان ونحن أحياء.
