لماذا نزع السلاح… قبل وقف الحرب، وإعادة النازحين، وسلاح المخيمات؟/ د. نسيب حطيط
تتعامل الولايات المتحدة مع قضية نزع سلاح المقاومة وكأن المقاومة وأهلها قد انهزموا، ولا خيار أمامهم للنجاة والعيش إلا كعبيد، سوى تسليم السلاح، في محاولة لتخفيف الخسائر على أميركا وإسرائيل، وشراء الأمن والسلطة في لبنان بوعود كاذبة وغير مضمونة، سبق أن دفعنا ثمنها بعد وقف إطلاق النار، فارتقى أكثر من 600 شهيد وجريح… دون الرد برصاصة واحدة!
نتفهم حجم الضغوط والتهديدات التي تتعرض لها قيادات “الثنائية”، والتي قد تدفعها نحو التنازل عن السلاح بحجة الحفاظ على ما تبقى من قوة الشيعة، إلا أن ذلك لا يليق بمقام المقاومة ولا بحجمها، الذي اعترفت به أميركا وإسرائيل، وتسعيان اليوم إلى التخلّص منه مجانًا!
لابد من صمود القيادة، ورفض التفاوض إلا من موقع قوة، حتى ولو كان على حافة الهاوية. فالسلاح ليس شيئًا يُنتزع بسهولة، وليس أقل شأنًا من استعادة الأملاك البحرية أو تحقيق بعض التعيينات الإدارية أو استرداد الودائع المنهوبة!
لقد دفعنا ثمن هذا السلاح غاليًا، على مدى سبعين عامًا، وبرعاية من الله تعالى، نعمنا بالاستقرار لعشرين عامًا. ولهذا السلاح وظيفة مستمرة: حماية الأمل والأمان والحقوق. لا يمكن بيعه بوهم أو بخداع.
لقد دفعنا في سبيله:
-
أكثر من عشرين عامًا من الجهد في النقل، الحفر، التصنيع، الشراء والحراسة.
-
آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين، منذ سبعين عامًا.
-
معاناة عشرات آلاف العائلات من أمهات وآباء وأرامل وأيتام.
-
مليارات الدولارات في تصنيع وشراء الصواريخ والطائرات المسيّرة والأنفاق.
-
عشرات آلاف الشباب المهاجرين، والمعوقين بلا أطراف أو بلا أعين.
ونسأل اليوم: هل أصبحنا من الضعف بحيث يُعامل أهل المقاومة وكأنهم جالية غريبة، لا تملك الحقوق التي تُمنح للنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين، أو المحتل الإسرائيلي؟
إن المقاومة وأهلها لا يرغبون في البقاء الدائم في ساحات القتال، ولكن لن يُسلّم السلاح من دون بديل واضح، ولن يُمنح بثمن بخس!
ليكن التفاوض من موقع قوة، وبتحديد ثمن واضح لتحييد السلاح الثقيل فقط، عبر:
-
تسليمه للدولة، أو إعادته للجهات التي تبرّعت به، أو بالشراكة بين المقاومة والدولة.
-
لكن بعد تحقيق الشروط التالية:
-
الانسحاب الإسرائيلي الكامل من النقاط الخمس وتلال كفرشوبا ومزارع شبعا، والالتزام باتفاقية الهدنة.
-
ترحيل النازحين السوريين، لئلا تُوظّفهم أميركا كميليشيا ضد المقاومة تحت شعار “حماية السنّة”، بقيادة الجولاني، كما قد يطالب بذلك المفتي!
-
منع التوطين ونزع سلاح المخيمات الفلسطينية، خاصة أن 80% منها تقع ضمن مناطق شيعية، وتشكّل خطرًا على الأمن اللبناني.
-
إعادة إعمار القرى المدمّرة خلال مهلة زمنية لا تتجاوز ثلاث سنوات.
إن المهلة الزمنية لتسليم السلاح الثقيل، مرتبطة بتنفيذ هذه المطالب.
أما التنازل السريع بحجة حفظ ما تبقى، أو الادعاء بعدم القدرة على مواجهة إسرائيل، فهو قرار خاطئ وآثم. فلنذكّر: بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وقّع البعض اتفاق 17 أيار قائلين: “العين لا تقاوم المخرز”، لكن مبادرة الشعب والمقاومين – قبل قرار القيادات – أطلقت مقاومة حررت الأرض من دون اتفاقيات سلام، وبلا سلاح. أما اليوم، فنملك السلاح والخبرة، ولا نحتاج سوى إلى الصبر والشجاعة في التفاوض.
من يوقّع على تسليم السلاح سيضع نفسه في خانة “المذهب الساداتي” الذي وقّع اتفاق “كامب ديفيد”، وسيهدر دماء الشهداء، وسيتخلى عن الإمام الحسين (ع)، ويتخذ من أنور السادات إمامًا له!
ونسأله: لماذا تأخرت في الاستسلام أربعين عامًا، ودَفَعت كل هذا الثمن من شهداء ودموع ودمار، وكان بإمكانك تحصيل أثمانٍ أكبر منذ البداية؟
قرار تسليم السلاح ليس حكرًا على قيادات “الثنائية”، بل هو قرار الطائفة وكل المقاومين اللبنانيين، ويحتاج إلى استفتاء شعبي، ثم إلى فتوى شرعية بعد تحصيل الأثمان التي تتناسب مع حجم هذا السلاح ووظيفته.
وفي حال قررت القيادة الخوف والتوقيع، فمسؤولية المقاومين أن يتمرّدوا على القرار، ولا يطيعوه، ويستمروا في المقاومة وفقًا للحكم الشرعي، لا وفقًا للقرار السياسي.
نأمل ألا تختم القيادات تاريخها المقاوم بتوقيع الاستسلام، وألا تنضم إلى “الساداتيين الجدد”!
لا تلوّثوا التاريخ الشريف للمقاومة الشيعية، التي لم تلقِ سلاحها يومًا… وحتى لا نُحيي ذكرى اختطاف الإمام السيد موسى الصدر، والشهيد السيد عباس الموسوي، ونحن بلا سلاح، ولا كرامة، ولا أمان.
وليكن شعار مسيرات العاشر من محرّم:
“لا لنزع السلاح… نعم للعزّة أو الشهادة”.
