الفن في خدمة الحسين: مرسم عاشورائي على جبهة الذاكرة والمقاومة
في زمنٍ تُمحى فيه الحقائق وتُزيّف الروايات، يبقى الفنّ الأصيل شاهدًا على القضايا الكبرى، ورايةً تُرفع في وجه النسيان. في النبطية، حيث تتعانق الروح مع التاريخ، ينهض “ملتقى أطياف الفني” كل عام ليُجسّد ملحمة كربلاء بألوانٍ حيّة، على جدران الزمان والمكان.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
يضمّ الملتقى مجموعة من الفنانين الهواة والمحترفين، الذين آمنوا بأن الإبداع ليس ترفًا، بل رسالة. يرأس هذا الملتقى الأستاذ هشام طقش، الذي لم تنل الحرب من عزيمته رغم أن قصف بيته قد التهم لوحاته ذات يوم. بقي وفيًّا لريشته، فحوّل الخسارة إلى حافز، والألم إلى بصمة إبداعية تخاطب الوجدان.
كلّ عام، ومع حلول عشرة محرم، يشارك أعضاء الملتقى في مرسم عاشورائي يقام أمام “حسينية النبطية”، حيث تصطفّ عشرات اللوحات على امتداد عشرة أيام، تُعيد من خلالها واقعة الطف إلى الحياة. ليست هذه مجرد أعمال تشكيلية، بل مشاهد نابضة من معركة الحقّ والباطل، حيث الإمام الحسين رمزٌ للكرامة والعدل، ورايةٌ لكل من لا يقبل بالذل.
ما يُميّز هذا المرسم ليس فقط مضمونه، بل الاحتكاك المباشر مع الناس. فالفنّانون يرسمون أمام الجمهور، يتركون للناس أن يروا مراحل تكوّن اللوحة، من الخطوط الأولى حتى آخر قطرة لون. أما الجمهور، فليس متفرّجًا عابرًا، بل شريكًا في التجربة، يتوقف، يتأمل، يعبّر عن إعجابه، ويُقدّر الجهد والرسالة.
وغالبًا ما تُنفّذ جداريات ضخمة في ساحة الحسينية، يتعاون فيها الفنانون سويًا، في حالة نادرة من الإبداع الجماعي، حيث تتداخل المدارس الفنية بين الواقعي والتجريدي، لكن يبقى الهدف واحدًا: تكريم الشهادة، واستحضار القيم العاشورائية بلغة الفن.
إن تجربة ملتقى أطياف الفني ليست مجرد نشاط سنوي، بل فعل مقاومة ثقافية، وحفاظ على الذاكرة الجماعية، ورسالة بأن الفنّ – حين يلامس القيم – يصبح منبرًا موازٍ للمنبر الحسيني، ولوحةً تعانق الخطاب.
وفي زمنٍ تتعدّد فيه أدوات التعبير، أثبت هذا الملتقى أن الريشة تُجيد قول ما تعجز عنه الكلمات، وأن ألوان عاشوراء ليست فقط السواد، بل طيفٌ واسع من الإيمان، والألم، والتضحية، والنور.
