كنت أقرأ رواية “قواعد العشق الأربعون”، وتحديداً الصفحة 47، عندما دخل شمس التبريزي إلى الحانة، ودار بينه وبين صاحبها حوار لا يُنسى. قال له شمس إنه يبحث عن الله، فردّ عليه صاحب الحانة، وقد غلظ صوته:
“إنك تبحث في المكان الخطأ… لقد هجر الله هذا المكان، ولا نعرف متى سيعود!”
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
وسريعاً ما شعرت أن التاريخ يعيد نفسه… كأن الأزمنة تتكرر، والأحداث تتشابه على هذه الأرض، ولو تغيّرت الأمكنة. تذكّرت تلك اللحظة التي همستُ فيها لنفسي في لحظة عجز ويأس:
“أين الله مما يحدث في هذا الشرق؟ أين عدالته؟ أين رحمته؟”
تداعت إلى ذهني كلمات محمود درويش:
“نحن شعوب وُلدت في الزحام، وعاشت في الانتظار، وماتت في الطوابير.”
وسألت نفسي من جديد:
ما هو هذا الشرق المأساوي؟
سؤال يتردد في ذهن كل من وُلد على أرضٍ مقدسة، غارقة في الدم والمآسي. أرضٌ كتب عليها أن تحرس الرسالات، وتذوق وحدها مرارة الخيبات.
هل هو قدَرنا أن نعيش في أوطانٍ لا تهدأ إلا على وقع المدافع، ولا تستفيق إلا على صور الشهداء؟ أم أن لعنة أبدية قد استوطنت ترابه منذ أن وُلد الأنبياء والملوك والطغاة؟
هل كتب علينا أن نبقى معلقين بين الرجاء والغضب؟
بين البحث عن الله، والشك بوجوده في تفاصيل هذا الألم اللامنتهي؟
يقول إدوارد سعيد: “أخشى أن يكون الوطن هو المكان الذي نُسجن فيه إذا حاولنا أن نحبه”.
يا للسخرية، أعلينا ان نكره حتى نتحرر؟! أو أن نسلم ؟! أأصبح الحب لعنة؟! في هذا الشرق، الذي لا تنتهي حروبه، بل تتغير أشكالها وأسلحتها. من الاحتلال إلى الاستبداد، ومن الطائفية إلى الجوع، ومن النكسة إلى النكبة، ومن الخيبة إلى خيانة الأمل. أو كما يقول جمال حمدان:”إن مأساة الإنسان العربي ليست فيما يفعله العدو، بل فيما لا يفعله هو.” أهو خذلاننا وجبننا؟! ضعفنا ووهننا وتسليمنا هو الذي فعل بنا ذلك؟ ألم نكن خير أمة ؟! أين نحن الآن من بين الأمم؟! شرذمة مقسمة لا وزن لها…
تتزايد الأسئلة في عقولنا، دون أن نجد لها إجابات. نعود ونسأل أين الله من كل ما يحدث؟ لماذا نُحرم من رحمته؟ أين هو العدل الذي وعدنا به؟ هل كتب علينا العذاب لأننا “استحققناه”، أم أننا ندفع ثمن جرائم لم نرتكبها؟
في هذه البقعة من العالم، يصبح الإيمان عبئاً ثقيلاً، ليس لأننا نفتقر إلى الإيمان، بل لأننا نُترك وحدنا في مواجهة الخراب. نقف بلا سلاح أمام قوى لا تُهزم، ونسأل دائماً: لماذا لا تنهضون؟ وكأننا لم نقاتل، ولم نمُت، ولم نحلم، ولم نُصلِّ.
هل نحن من نتحمل المسؤولية عن ذلك؟ ربما. فقد سكتنا عندما كان يجب علينا أن نتحدث، وتخاذلنا عندما كانت بلادنا في حاجة إلينا. صدقنا زعماء يبيعوننا عبر الشاشات ويستغلوننا في الخفاء. لكننا أيضاً ضحايا. ضحايا أنظمة قاسية، ومصالح دولية لا تعرف معنى العدالة، ومجتمع دولي يتفرج على مآسينا وكأنها مجرد فيلم وثائقي عن “مناطق النزاع”.
الشرق ليس ملعوناً بطبيعته. فقد وُلدت فيه الحضارة، والرسالات السماوية، والشعر، والحكمة، والحب. لكن الشرق الذي نراه اليوم ليس هو الشرق الذي نطمح إليه. هناك من شوهه، وهناك من صمت، وهناك من قُتل وهو يسعى لإعادته إلى ما كان عليه.
تتكرر الأسئلة، بينما تظل الإجابات نادرة. لكن ربما، في لحظة ما، بين أنقاض مدينة، أو في دمعة أم، أو في صرخة شاب، سيولد الشرق من جديد. ليس لأنه معجزة، بل لأن لا شيء يدوم ، لا القهر، ولا الاحتلال، ولا الظلم.
وربما حينها، سنجد إجابة لسؤالنا الأول: ما هذا الشرق البائس؟ وسنجيب: إنه وطن يتألم… لكنه لم يفت الأوان بعد.
وأعود لأنهي بجواب لشمس التبريزي على صاحب الحانة :” ألا يقول الله ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)؟ فالله لا يقبع بعيداً في السموات العالية، بل يقبع في داخل كلّ منا. لذلك فهو لا يتخلّى عنا، فكيف له أن يتخلى عن نفسه؟”، فردّ عليه صاحب الحانة بتحدًّ:” إن كان الله هنا فهو لا يحرّك ساكناً، ونحن نعاني من أسوأ النهايات، فماذا يعني ذلك؟”
فيردّ شمس :” انها القاعدة الأولى يا أخي، ان الطريقة التي نرى فيها الله ما هي الا انعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا.فإذا لم يكن الله يجلب الى عقولنا سوى الخوف والملامة، فهذا يعني أن قدراً كبيراً من الخوف والملامة يتدفق في نفوسنا، أما اذا رأينا الله مفعماً بالمحبة والرحمة ، فإننا نكون كذلك.”
وخلال حديثهما، حصلت جلبة صاخبة من بعض الزبائن السكارى اضطر فيها صاحب الحانة الى التدخل واستعمال العنف معهم وضربهم وطردهم من الحانة، وعندما انتهى التفت الى شمس وقال:”كما ترى أيها الدرويش، لم يكن العنف من شيمي، لكنه أصبح الآن. فعندما ينسانا الله ويتركنا وحيدين هنا، يقع على عاتقنا، نحن الناس العاديين، أن نصبح أشداء، او نحقق العدل بأيدينا. قل له بأنه عندما يتخلى عن حملانه ، فلن تنتظر هذه الحملان بوداعة وخنوع حتى تُذبح. بل ستتحول الى ذئاب.”
يا الله ، ان هذا ما يحدث معنا بالظبط، هذا ما نعيشه ، هذا واقعنا الحالي. هناك من ارتضى أن يبقى حملاً، وهناك من أبى واستكبر وتحوّل ذئباً كاسراً… لا أريد أن أدخل في تفاصيل صراعاتنا الحالية، ولكن لو كنا جميعا اخترنا ان نصبح ذئاباً ، أما كان واقعنا وحالنا مختلف الآن؟!
لقد درسنا في الجامعة عن النظريات السياسية ومن بينهم “الواقعية” التي تركز على القوة كعامل أساسي في العلاقات والسياسات الدولية. من يملك القوة يملك القرار ويملك السلطة. فالعالم يقوم على صراع دائم على القوة، والدول تتصرف وفق مصالحها القومية، حيث تسعى للحفاظ على أمنها وزيادة نفوذها، فلماذا ندرس ما لا نطبق؟! لماذا نختار ان نكون ضعفاء بدل أقوياء؟ نملك من الحضارة والتاريخ والثقافة والعلم ما يكفي ، فلماذا نعتكف عن استعمال مواردنا؟ لماذا مقدراتنا مهدورة؟! هل الله له ذنب في ذلك أيضاً؟ أليس الانسان مخيّر؟
لعل مصيبتنا تكمن أننا اخترنا جماعة فاخترنا نكبتنا !!!! فالقوة بالجمع، والضعف بالاستفراد.
وها هم من يملكون القوة جماعة استفردوا بنا على حدى، لأن اختيارنا كان فرادى… والسلام
