أميركا وتنصيب “الجولاني”… أميرًا على السنّة في لبنان/ د. نسيب حطيط
بعد الاغتيال السياسي للرئيس سعد الحريري واحتجازه في السعودية عام 2017، وتجميد “تيار المستقبل” ومنعه من المشاركة في الانتخابات النيابية والبلدية، جرى اجتثاثه سياسيًا رغم بقائه واقعيًا كأكبر تيار مؤثّر داخل الطائفة السنية.
لكن القادة السياسيين السنّة عجزوا عن ملء هذا الفراغ، لا كأفراد ولا كتكتلات، في ظل “نقيق” بعض الضفادع السياسية التي وُلدت في بركة تيار المستقبل وآل الحريري، ثم تمرّدت عليه دون أن تنجح في تثبيت حضورها السياسي. هكذا باتت الطائفة السنية يتيمة ومشتّتة، وأشبه بطبق جاهز على مائدة الجماعات التكفيرية، سواء في صيدا أو طرابلس أو البقاع.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لا تستطيع أميركا إشعال الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة، إلا إذا كبّلت قوى الاعتدال السني، الدينية والسياسية، وأطلقت وحوش الفكر التكفيري المقيم والمستورَد من سوريا. وهي تعمل على تعيين قائد سياسي وديني للسُنّة في لبنان، لتنفيذ مشروع أميركي – خليجي، دون أن تغرق في المستنقع اللبناني مباشرة. وهنا، يبدو “الجولاني” القائد المثالي الجاهز لتنصيبه “أميرًا” على السنّة، تحت عنوان حفظ الحقوق المهدورة، وفق توصيف مفتي الجمهورية الذي أطلق شعار “السُنّة أولًا”.
وقد بدأت أميركا فعليًا التحضير لهذا المشروع عبر خطوات ميدانية واضحة، بعد أن جمعت ساحتي لبنان وسوريا بقيادة الحاكم الإداري “توم باراك”، لتأمين تنصيب “الجولاني” بسلاسة، ومنها:
-
الضغط على مفتي الجمهورية اللبنانية وإلزامه بزيارة سوريا لـ”مبايعة” الجولاني، ومنحه الوسام الذهبي لدار الفتوى كمفتاح رمزي للطائفة، في موعد خبيث “فتنوي”، صادف العاشر من محرّم (يوم استشهاد الإمام الحسين)، لاستفزاز المسلمين الشيعة.
-
طرح ملف إطلاق الموقوفين الإسلاميين والعفو عنهم، بعدما فشلت أو امتنعت القيادات السنية عن معالجته، رغم ما سبّبه من مظلومية اجتماعية وإنسانية. ويجري الترويج للتمييز بين مرتكبي الأعمال الإجرامية ومن خطّطوا لعمليات انتحارية وقتلوا ضباط الجيش اللبناني. فإذا نجحت أميركا بفرض هذا العفو من خلال الحكومة ومجلس النواب، ستمنحه “الجولاني” كإنجاز معنوي ومادي كبير داخل الطائفة السنية.
-
رفع شعار “الثأر من حزب الله والمقاومة”، نيابة عن بعض القوى المسيحية واللبنانية التي افتعلت 7 أيار، لكنها عجزت عن المواجهة. وهنا، يتصدّر “الجولاني” ومعه الجماعات التكفيرية، بدعم إسرائيلي ورعاية أميركية، لافتعال مواجهة مع المقاومة، في محاولة لكسب سلفة سياسية لحلفائه اللبنانيين الذين بايعوه ولقّبوه بـ”السيد القائد”، بل وأهدوه مزارع شبعا… دون أن يطلبها!
هذا المشروع الأميركي لتوحيد الساحتين اللبنانية والسورية، يسير باتجاه تحضير لبنان وسوريا للتطبيع الجماعي مع إسرائيل، عبر أدوات أميركية تكفيرية، لأن استمرار خروج لبنان من السيطرة الكاملة لأميركا وإسرائيل والخليج، يهدّد بقاء سوريا ويقوّض “التحالف” الإقليمي المعادي للمقاومة.
ولذلك، طلبت واشنطن من عميلها الجولاني تغيير اسم “جبهة النصرة” إلى “هيئة تحرير الشام” بما يحمل من رمزية تاريخية للمشرق العربي (سوريا، لبنان، العراق، فلسطين، الأردن). فإذا كانت إسرائيل قد احتلت فلسطين، فأميركا تعمل لاحتلال لبنان وسوريا والعراق بالجماعات التكفيرية، وتعيين “أمير” على الشام، ليتمدّد نحو العراق ولبنان، تمهيدًا لحرب شاملة أو عمليات استنزاف ضد بيئات المقاومة.
السؤال: هل ستعود التعيينات الإدارية، والقرارات السياسية والقضائية اللبنانية لتُصنع في دمشق أو عنجر؟
حتى الآن، لم يتغيّر المشهد. ما زال المسؤولون اللبنانيون يزورون دمشق وعنجر لحماية مصالحهم وسرقاتهم وتأمين مواقعهم، من رئيسي الحكومة الحالي والسابق، إلى مفتي الجمهورية، إلى الوزير جنبلاط، وغيرهم.
وفي المقابل، لم يزر أي مسؤول سوري لبنان، بينما يواصل “الجولاني” ابتزاز المسؤولين اللبنانيين بالملفات التي استولى عليها من المخابرات السورية، ويطالب بإطلاق الإرهابيين وقتلة الجيش… أو سيغلق الحدود ويجتاحها!
فهل تطلق أميركا قافلة التكفيريين مجددًا قبل أيلول، ليعودوا إلى صيدا والبقاع وطرابلس، بدلًا من الاجتياح البري الذي تخشاه إسرائيل، وتكتفي بعمليات اغتيال وقصف جوي؟
