نبيه بري وتوماس براك: هل الثالثة ثابتة؟ مواجهة هادئة في معركة السلاح والسيادة/ غنى شريف
في زيارةٍ هي الثالثة له إلى لبنان منذ اندلاع “طوفان الأقصى”، عاد “توماس براك”،المبعوث الاميركي للرئيس “دونالد ترامب”، حاملاً الورقة الأخطر: نزع سلاح حزب الله.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لكن اللافت في الزيارة الأخيرة لم يكن فقط توقيتُها، بل ما حملته من “تراجع صامت عن مواقف سابقة، أبرزها مقولته الشهيرة حول “ضمّ لبنان إلى سوريا” كحلّ نهائي لأزماته البنيوية”، وهي مقولة أثارت في السابق الكثير من القلق، وكشفت الخلفية الجيوسياسية التي تنظر من خلالها بعض الدوائر الأميركية إلى لبنان.
فهل تكون الزيارة الثالثة “ثابتة”؟ وهل ينجح براك في إحداث خرق؟ أم أن الصخرة ذاتها ما زالت في مكانها، اسمها: نبيه بري؟
من ورقة السلاح إلى معركة الكرامة
الرسالة التي يحملها براك ليست جديدة، لكنها اليوم تأتي مغلفة بلغة مختلفة:
مقايضة دعمٍ مالي واستثماري، مقابل بداية مسار جديّ لنزع سلاح المقاومة، أو أقله دمج قدراتها في مؤسسات الدولة، وتحديد سقف لمشروعها الإقليمي.
لكن يبدو أن الرجل لم يتعلّم من زيارتَيه السابقتين، أو ربما أراد أن يختبر ما إذا تغيّر شيء في الموقف اللبناني.
الجواب أتى من “رئيس مجلس النواب نبيه بري”:لم يتغيّر شيء، لا في المبادئ، ولا في الثوابت، ولا في مقاربة ملفّ السلاح.
بري لا يواجه… بل يُربك بصمته
في لقاءاته مع براك، لم يلجأ نبيه بري إلى اللغة الاستفزازية أو إلى منطق التحدي. بل مارس دوره كرجل دولة، حمل همّ الكل، وتحدّث بلغة العقل الوطني.
لم يصدر عنه موقف مباشر، لكنه أدار الحوار بعُمق، بل وأربك الموفد الأميركي بصمته المدروس، الذي يُخفي خلفه موقفًا راسخًا لا يتبدّل.
فبري، الذي خبر كل المسارات التفاوضية الدولية من اتفاق الطائف إلى تفاهم نيسان إلى ترسيم الحدود، يدرك أن معركة السلاح ليست معركة بندقية بل معركة “سيادة وكرامة وتوازن ردع”.
لذلك، هو لا يقف موقف الحزب بل موقف الدولة، ويتشدد أحيانًا أكثر من حزب الله نفسه في رفض التنازل أو التفريط به .
براك يسحب مقولة الضم… وبري يثبّت السيادة
من المؤشرات اللافتة في زيارة براك الأخيرة، تراجعه الضمني عن تصريحه السابق الذي ألمح فيه إلى أن حلّ أزمة لبنان يكمن في ضمّه إلى سوريا.
تصريح لم يمرّ حينها بلا ردود، واعتُبر دليلاً على أن بعض العقول في واشنطن لا تزال تنظر إلى لبنان كـ”ساحة ملحقة”، لا ككيان مستقل.
لكن، في بيروت، وجد براك من يذكّره بأن لبنان ليس ولاية تابعة، بل وطن له هويته وتاريخه ومقاومته التي صانت حدوده وقراره الوطني.
بري لم يرد على التصريح حينها، لكنه ردّ اليوم بالموقف، بالصمت، وبالتمسّك بثوابت الإمام موسى الصدر، الذي لم يرفع السلاح عبثاً، بل أمانةً لحفظ الأرض والكرامة.
طوفان الأقصى… وتأجيل الحسم
لا يمكن عزل ورقة نزع السلاح عن سياقها الإقليمي.
فـ”طوفان الأقصى” بدّل الموازين، ووضع “إسرائيل” تحت الضغط، وحرّك خطوط التماس في كل الجبهات، من غزة إلى الجنوب اللبناني، واليمن والحرب الأخيرة على ايران وصولا الى احداث الساحل السوري و السويداء ،
وفي هذا المناخ، لم يعد بالإمكان فرض وقائع من فوق، ولا الإملاء من خارج.
بات السلاح جزءًا من معادلة إقليمية تحمي لبنان، لا تعزله، وتجعل من أي نقاش حوله مسألة مصير لا تكتيك.
الخاتمة: بري… رجل المرحلة مهما تغيّرت الوجوه
ثبات نبيه بري في وجه توماس براك ليس استعراض قوة، بل ممارسة عقلانية للحفاظ على الوطن.
هو لا يواجه براك دفاعًا عن سلاح حزب الله فحسب، بل دفاعًا عن فكرة لبنان الحرّ المستقل، السيد في قراره، والمتنوّع في وجه كل مشاريع الدمج أو التفتيت.
فهل كانت الزيارة الثالثة لبراك “ثابتة”؟
ربما تكون كذلك… لكن الثابت الوحيد حتى الآن هو أن “نبيه بري لا يزال حجر الزاوية في كل مواجهة تمسّ الكرامة والسيادة والمقاومة”.
