عن الحرب النفسية على المقاومة: “الهزيمة” المزعومة، بين الشبهة واليقين
كتب الدكتور علي القزويني الحُسيني
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
استوقفني مقال قرأته على موقع “النشرة” الإلكتروني يحمل توقيع الكاتب طوني خوري. هذا المقال، كغيره من النصوص المتكاثرة في الآونة الأخيرة، يُتداول وينتشر ويُقرأ، وقد يؤثر، أو لا يؤثر، في بعض القرّاء.
لكن ما يسترعي الانتباه، أن هذا النوع من الخطاب، مهما بدا عابرًا أو انفعاليًا، يُسهم، عن قصد أو عن غير قصد، في تعزيز حالة البلبلة والتشويش التي يعيشها لبنان، في ظل الانقسام السياسي والتراجع الاقتصادي والضغط الاجتماعي.
فهو خطاب يفاقم مناخ الشك والتخوين، ويمتد أثره ليطال السلم الأهلي والمصالح الوطنية العليا، من الأمن إلى التعليم، ومن الاقتصاد إلى صورة الدولة نفسها.
لذلك أحببت أن أتناول هذه الخطابات بروح نقدية هادئة، وبمنهجية موضوعية كما اعتادني قرّائي ومتابعيني، بعيدًا عن التهويل أو الانفعال، وقريبًا من التحليل الذي يحترم العقل والمعطى معًا.
إليكم أوّلًا أبرز النقاط التي استوقفتني، بما فيها من افتراضات ومغالطات:
● أولًا، الخلط بين العقيدة وإنكار الواقع
“ينطلق حزب الله من منظومة عقائدية تضعه في موقع ‘المقاوم المقدس’ […] فإن اعترافه بالهزيمة العسكرية يعني ضمنياً، التشكيك في صحة هذه العقيدة.”
يقع الكاتب هنا في مغالطة اختزالية، حين يربط بين أي تراجع ميداني وبين انهيار عقائدي شامل. في الواقع، تاريخ الحركات العقائدية والمقاومات العالمية، من الجزائر إلى فيتنام، ومن الثورة الإسلامية إلى كوبا، مليء بمحطات انتكاس وتراجع لم تَنسف مشروعها ولا رسالتها. فالعقيدة ليست قائمة على انتصار دائم، بل على مشروع نضالي طويل النفس، يخضع لمراحل، ويُقيّم بميزان استراتيجي لا لحظي.
● ثانيًا، افتراض “تدهور القدرات” بلا بيّنة
“قدرات حزب الله العسكرية تواجه تدهوراً حقيقياً، سواء من خلال تدمير ترسانته الصاروخية المتطورة أو فقدان فعالية الأسلحة المتبقية أمام التفوق العسكري الإسرائيلي.”
هذا الادعاء يفتقر إلى أي مستند تحليلي أو تقني موثوق. فالكاتب يتكلم وكأن لديه معطيات استخباراتية دقيقة، في حين أن طبيعة الصراع الحالي، خاصةً مع ما يتبعه الحزب من تعمية إعلامية مقصودة، لا تسمح بمثل هذا الجزم. الأكثر من ذلك، أن الخصم الإسرائيلي نفسه لا يجرؤ على استخلاص هذه النتيجة، بل يتحرك بحذر شديد، ما يعكس إدراكه لاستمرارية التهديد من جهة الجنوب.
● ثالثًا، تسطيح العلاقة بين التضحيات والرمزية
“الاعتراف بالهزيمة يعني إفراغ هذه التضحيات من معناها، وهو ما يشكل صدمة قد لا يكون من السهل التعافي منها.”
الكاتب هنا يتحدث عن جمهور المقاومة وكأنه جمهور عاطفي هش، لا يملك وعيًا سياسيًا أو نضاليًا، بينما في الواقع، هذا الجمهور أظهر في محطات سابقة قدرة عالية على الصبر والتفهم وإعادة صياغة المعنى، كما حصل بعد حرب تموز ٢٠٠٦، أو حتى في مواجهات غزة. العلاقة بين التضحيات والانتصار ليست علاقة خطيّة آنية، بل علاقة تراكم وصبر واستمرار مشروع.
● رابعًا، تناقض داخلي في سردية “الهزيمة”
“في غياب القوة العسكرية الحقيقية، يصبح الحضور السياسي والإعلامي الوسيلة الوحيدة لتجنب الاستسلام الكامل.”
إذا كانت القدرات العسكرية للحزب غائبة تمامًا كما يقول، فكيف نُفسّر استمرار التوازن الردعي على الحدود؟ ولماذا لا تزال إسرائيل تتجنب التوغل البرّي؟ التناقض واضح: الكاتب ينفي وجود القوة، لكنه في الوقت نفسه يقرّ بأن الحزب لا يزال فاعلًا سياسيًا ومفاوضًا، وهذا يفترض احتفاظه بحدّ أدنى من الأوراق الفعلية، لا مجرد خطاب إعلامي.
خامسًا، تحليل مؤدلج لا يدّعي الحياد
“الحزب يراهن على قدرته على تحويل الهزيمة العسكرية إلى صمود سياسي، يتطور إلى انتصار معنوي.”
هذا الطرح لا ينطلق من تحليل حيادي، بل من فرضية مؤدلجة تفترض الهزيمة، ثم تبحث عن تبرير لتجنّب إعلانها. لكن من الناحية التحليلية، يجب أولًا أن نثبت الهزيمة، ثم نناقش إنكارها. أما أن نبدأ من النتيجة المفترضة، ونُفصّل حولها السيناريوهات النفسية والسياسية، فذلك يندرج في إطار الدعاية لا التحليل.
● الواقع أعقد من صورة مهزومة
ما جاء في مقال طوني خوري لا يمكن اعتباره تحليلًا استراتيجيًا رصينًا، بل هو أقرب إلى بيان رأي يحمل نزعة نفسية وسياسية، يطمئن فيها القارئ المعارض بأن “المقاومة انتهت”، رغم غياب المعطيات الميدانية الفعلية التي تؤكد ذلك. بل أكثر من ذلك، إن طريقة عرض المقال تدخل، ولو عن غير قصد، في إطار الحرب النفسية، التي تُراهن على تكرار كلمة “هزيمة” حتى تصبح “حقيقة”.
وهذا لا يعني مطلقًا أنني في معرض الدفاع عن حزب الله، فمن يعرفني ويعرف انتمائي السياسي يدرك تمامًا أنني لست من المدافعين عن هذا التيار أو ذاك الحزب. إنما ما اعتدت عليه في كتاباتي هو الحفاظ على نَفَسٍ وطني، يسعى إلى مقاربة الأمور من زاوية المصلحة العامة، لا من خلفيات حزبية ضيقة.
ومما لا شك فيه، أن العلاقة بين التنظيم الذي أنتمي إليه، أي حركة أمل، وبين حزب الله، هي علاقة، كما يُعبّر عنها دومًا رئيس الحركة وقائد المقاومة السياسية، تُختصر بوحدة الحال والمصير، خصوصًا في ما يتعلّق بقضية المقاومة والدفاع عن الوطن.
لكن هذا لا يعني على الإطلاق أن يعفي حزب الله نفسه من ضرورة التقييم والتقويم الموضوعي لوضعه العسكري، لا بل إنني أرى أن هذا واجب وطني واستراتيجي، أظن، بل ألمس، أن قيادة الحزب الجديدة قد بدأت به، ولو بحذر وتدرّج، إدراكًا منها لحساسية المرحلة وخطورتها.
● الحاجة اليوم إلى وعي لا إلى تصنيف
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من السجالات، بل إلى نقاش وطني هادئ، شجاع، وصريح، يعيد تعريف أولوياتنا ويضع المقاومة، بكل ما تمثله من رمزية وسيادة، ضمن رؤية استراتيجية واضحة تحميها وتحصّنها، بدل أن تُستنزف في دوائر الإعلام والمزايدات.
فلبنان، بتعدديته، لا يُحمى إلا بوحدة وعيه، لا بافتعال الانقسامات على وقع أصوات المدافع أو صمت التسويات.
ومن هنا، يحسن أن نعيد النظر حتى في طريقة مقاربتنا للمفاهيم، سواء كانت “هزيمة” أو “نصرًا” أو حتى “قوة العقل” و”ضعفه”. فالواقع أعقد من هذه الثنائيات الجاهزة.
فكما لا يجوز تصنيف العقول بهذه الثنائية الصارمة: “قوي” و”ضعيف”، لأن العقل ليس عضلة تُقاس بالقوة أو الضعف فقط، بل هو كائن حيّ يتشكّل ويتغيّر بالتجربة والظرف والتاريخ… كذلك لا يمكن تصنيف أي تنظيم سياسي أو عسكري من خلال معيار وحيد أو لحظة عابرة.
التركيز على الحلول أو الغرق في المشكلة، كما التنظيمات بين التقدّم والتراجع، هي لحظات في مسار أوسع، تُفهم بسياقها وتُحاكِم بتجرّد.
لذا، لعل العبارة الأنسب ليست تلك التي تقسم العقول أو القوى، بل تلك التي يُفترض بها أن تعمل بالتالي:
“العقل المتزن يسعى للحلول، أما العقل المثقل بالهموم، فقد يحتاج من يفك عقدته أولاً.”
وكذلك التنظيمات، لا تُقاس بصرخة نصر ولا بارتباك لحظة، بل بقدرتها على النقد الذاتي، والاستعداد لإعادة التموضع بحكمة، من أجل مصلحة الوطن.
